في كل مرة نكتب فيها عن الإخوان وألاعيبهم وخبائثهم، تمتلئ صناديق بريدنا الإلكتروني بردود ومهاترات لها أول وليس لها آخر، أما على تويتر فحدث ولا حرج، حيث نفاجأ بطوفان من الردود التي تفيض بما في نفوس كاتبيها مما تتوقعون من أمثال هؤلاء.

وعلى كل، فهذا أمر متوقع، لكن اللافت للانتباه فعلاً هو اشتراكها جميعاً في محاولة إصباغ هالة من القدسية على كل ما يتصل بالإخوان ورموزهم وطروحاتهم السياسية، وحتى ابتداعاتهم التي ينسبونها ظلماً وعدواناً إلى شريعة الله السمحة، وهي منهم براء. وكل ذلك تحت عنوان مخادع يتهم من ينتقدون الإخوان، بتشويه صورتهم ورموزهم وأفكارهم.

حسناً إذاً، دعونا نتحدث بصراحة هنا؛ فالمنطق يقتضي أن كل ما يقدمه الإخوان في أدبياتهم، سياسة أو غير ذلك، ليس من المقدسات في شيء، ولم يعرف عن قادة الإخوان أنهم معصومون أو أن ما يقولونه منزل عليهم بوحي لا يأتيه الباطل! وإذا كان الإمام مالك يقول:

«كل يؤخذ منه ويرد إلا صاحب هذا القبر» (يقصد الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم)، فمن باب أولى أن كل من عداه (بما في ذلك الصحابة الأجلاء والتابعون لهم بإحسان) ليسوا معصومين عن الخطأ، فكيف يصح بعد ذلك أن ينسب الإخوان لأنفسهم وقياداتهم (إن قولاً أو عملاً) صفات من العصمة وهم ليسوا أهلاً لها لا من قريب ولا من بعيد!

ومعلوم هنا سعي الإخوان، في إطار طبيعتهم التنظيمية السرية المافيوية، إلى بناء هالة من القدسية على قياداتهم وقراراتهم لدى أعضاء هذا التنظيم، الذين لا يستطيعون تقبل فكرة أن شخصاً أياً كان موقعه العلمي أو الفقهي أو الشخصي ينتقد أحداً من قياداتهم، وخاصة الفكرية أو مرشدهم العام أو مراقبيهم في بلدانهم المختلفة.

وهذا أمر متوقع من تنظيم بهذه السرية والخصوصية التنظيمية، التي يريدون أن يحافظوا بها على ولاء أعمى من قبل أعضائهم، على مبدأ «اخلع دماغك واتبعني».. لكن الأمر الأكثر غرابة واستنكاراً، هو محاولتهم فرض نفس المنطق في التعامل مع غير الإخوان.

وعلى الأخص من يكشفون شرور الإخوان وأخطارهم، حيث نجد أن أي نقاش لأفكارهم أو قياداتهم يجابه على الفور بحملة جاهزة من الاتهامات، لا تبدأ عند الاتهام بأن الأجهزة الأمنية تقف وراءها ولا تنتهي عند التكفير والإخراج الانتقائي من الملة! والسبب بسيط، فالمطلوب تحصين طروحاتهم السياسية في أذهان أعضائهم أولاً.

وأبناء المجتمع ثانياً، ضد أي نقاش فكري موضوعي، لأن مثل هذا النقاش يكشف حجم العبث بالدين الذي يمارسونه على أكثر من صعيد، بدءاً من استجلاب فكر الخوارج ومحاولة تقديمه في إطار ديني تحت مسمى الحاكمية، وانتهاء بالتآمر السياسي والأمني المغلف بالغشاء الدعوي، والذي جعل تنظيم الإخوان واحداً من أخطر العوامل الداخلية المهددة للأمن الوطني والقومي العربي.

وبالطبع لا بد لنا هنا من ملاحظة نمطين سلوكيين متكاملين لدى الإخوان في التعامل مع كل ما يخالفهم، خاصة في الساحة الدينية، ذلك أن محاولة الإخوان البائسة تصوير أنفسهم باعتبارهم الوكيل الحصري للنهضة باسم الإسلام (والإسلام منهم ومن أفكارهم براء)، يرافقها هجوم شديد على كل رمز إسلامي يختلف عنهم، حتى وإن لم يختلف معهم. وخذوا الحملة الشاذة والغريبة التي كانوا ولا يزالون يشنونها على الأزهر الشريف ومفتي الديار المصرية، بغض النظر عمن يشغل المنصبين.

لذلك، وفي الرد على مجمل ما يأتينا من شتائم وردود متشنجة واتهامات بتشويه صورة الإخوان، اسمحوا لي أن أقول ما يلي:

أولاً؛ إن من تمام العبث بالدين والعقيدة الاستمرار في تصوير فكر حزب سياسي معين وكأنه دين الله الخالص، وكأن الشريعة السمحة لا تأتي إلا من مصادرهم، وآن الأوان أن نسمع من علماء الشرع الحنيف ردودهم الحازمة على هذه الترهات والإساءات. ولا يجوز بحال السماح للإخوان باختطاف صورة الدين النظيفة، وتصوير أي نقد لهم ولأفكارهم الهشة الهزيلة بأنه انتقاد للإسلام أو اعتراض عليه. شتان ما بين دين الله الخاتم، وبين جهالات حسن وسيد وإخوانهما!

ثانياً؛ يا من تقرؤون كلامي من الإخوان والمخدوعين بهم والمعمية قلوبهم قبل عيونهم، نصيحة لمن بقي لديه عقل وبصر: تذكروا أن تستخدموا عقولكم ولو قليلاً. تذكروا أنه إذا جاز رد كلام صحابي جليل (إذا خالف الدليل من الكتاب والسنة)، فكيف لا يجوز رد كلام هذا وذاك من رموز الإخوان! أي عاقل فيكم سليم العقل يصدق مقولة إن حسن البنا لا يخطئ؟

ثالثاً؛ إن أي تقييم موضوعي لفكر وممارسات تنظيم الإخوان، يبرز الكثير الكثير من الانتقادات. ومع أنه من الصحيح أننا في الاختيار بين دولتنا الحبيبة وأي تنظيم مهما كان، سوف ننحاز إلى دولتنا وبلدنا وقيادتنا، إلا أن كتابتنا عن الإخوان تتسم بالموضوعية والتدقيق، لأننا حريصون على أن نقدم لقرائنا وأبناء دولتنا الحبيبة، الحقائق الموضوعية وليس التخرصات الغريبة التي يختلقها الآخرون.

لكن يبقى أنه في المحصلة، عليكم أن تتذكروا جيداً أن المرآة النظيفة لا تجعل الوجه المتسخ يبدو نظيفاً.. هذا كل ما في الأمر!