وول ستريت يواصل رهاناته الضارة

بينما يتركز اهتمام الأميركيين على سوريا، فإن الإدمان على المراهنة من جانب أكبر بنوك وول ستريت يزداد خطورة مقارنة بأي وقت مضى.

قبل خمس سنوات، أعلنت شركة ليمان بروذرز إفلاسها، فتردت وول ستريت في أسوأ أزمة مالية في غضون 80 عاما. ومع ذلك، فإن أكبر بنوك وول ستريت تعد الآن أكبر كثيرا مما كانت عليه آنذاك.

وأحكام قانون دود-فرانك التي وضعت لمنع البنوك من المقامرة بالودائع المضمونة للمدخرين العاديين لا تزال موضوعة في الأدراج، ويرجع ذلك إلى التأثير الكبير لجماعات الضغط الممثلة لتلك البنوك. وما يسمى بقاعدة فولكر لا تزال حتى الآن في انتظار أن ترى النور.

ومن المؤكد أن موازنات البنوك أفضل حالا الآن عما كانت عليه قبل خمس سنوات، فالبنوك قد حصلت على الكثير من رؤوس الأموال وشطبت الكثير من الديون المستعصية على السداد ( معدل مخاطرة رأسمال هذه البنوك تقدر الآن بأنه أعلى مما كان عليه قبل الأزمة بنسبة 60%.

ولكن هذه البنوك عادت إلى أكثر بكثير مما ينبغي من عاداتها لقديمة. فلنلق نظرة على جي بي مورغان تشيز التي تعد الشركة الكبرى في هذه المجموعة.

وقد خسرت هذه الشركة العام الماضي 6.2 مليارات دولار من خلال المراهنة على عمليات مبادلة الائتمان المرتبطة بدين الشركات، ثم كذبت بشأن هذا الأمر. وتوضح الأدلة أن الشركة دفعت رشاوى لجعل بعض المقاطعات تشتري هذه المبادلات. وتقوم وزارة العدل الآن بالتحقيق مع الشركة بشأن المعاملات غير المناسبة في قطاع الطاقة.

ويأتي ذلك عقب أنباء تحدثت عن أن الوحدة المضادة للرشاوى في لجنة الأمن والمبادلات تحقق الآن فيما إذا كانت هذه الشركة قد قامت بتشغيل أبناء مسؤولين صينيين للمساعدة في كسب صفقات عمل، كما زعم أيضا أنها قد ارتكبت عملية احتيال في تحصيلها لدين بطاقات الائتمان واستخدمت أساليب زائفة ومضللة لحبس الرهن بالنسبة للمنازل وضللت عملاء بطاقات الائتمان في غمار سعيها لأن تبيع لهم منتجات مضادة لسرقة الهوية والقائمة تمتد طويلا.

ويدرج أحدث تقرير ربع سنوي لشركة جي بي مورغان ورطاتها القانونية في تسع صفحات مكتوبة ببنط صغير، ويقدر أن حسم هذه الورطات بكاملها قد تكلف 6.8 مليارات دولار، وهذا ليس بالمبلغ الكبير بالنسبة لشركة يبلغ إجمالي أصولها 2.4 تريليون دولار، ويقدر نصيب حملة الأسهم ب 209 مليارات دولار.

وهذا هو على وجه الدقة جوهر ما أقصده هنا، فما من شركة، دع جانبا شركة عملاقة في وول ستريت، سوف تهدر فرصة لتحقيق ربح طائل ما لم يكن احتمال ضبطها ومقاضاتها وتكبيدها مبالغ طائلة في صورة عقوبات أكبر من الأرباح المتوقعة.

ألم نتعلم شيئا منذ سبتمبر 2008؟ قبل خمس سنوات، على وجه الدقة، أوشكت وول ستريت على المضي إلى الهاوية ، وقد انتشلناها، ولا يزال ملايين الأميركيين يعانون من عواقب تجاوزات وول ستريت، ومع ذلك فإن البنوك والشركات الكبرى في وول ستريت لا تزال تعامل الاقتصاد الأميركي كما لو كان كازينو القمار الخاص بها، وتواصل التلاعب أكثر من اي وقت مضى.

والحقيقة هي أن بنوك وول ستريت العملاقة يستعصي حكمها، فهي الأكبر من أن تفشل، وأكبر من أن يودع مسؤولها السجن، وأكبر من أن يقلص حجمها، وينبغي تقسيمها وتقليص حجمها.

وليست هناك حاجة لانتظار سابقة في هذا الصدد، وقد قسمنا في 2011 ستاندرد أويل ، وفي 1982 قسمنا ما بيل، ويملك الاحتياطي الفيدرالي السلطة للقيام بذلك استنادا إلى ذاته في أي حال (هل سيكون الرئيس المقبل للاحتياطي الفيدرالي على استعداد للقيام بمثل هذه المبادرة؟).

غير أن الحاجة ماسة إلى تشريع لإحياء قانون غلاس- ستيغال الذي فصل في وقت من الأوقات نشاط البنوك عن رأسمالية الكازينوهات، وقاعدة فولكر في قانون دوت-فرنك تحتوي على الكثير من الاستثناءات بحيث أنها قد جعلت المدافعين عن البنوك الكبرى يحاولون إيجاد مزيد من الثغرات، الأمر الذي أسفر عن عمليات تعطيل لا نهاية لها.

فدعنا إذا نتناسى قاعدة فولكر، ما علينا إلا أن نعيد قانون غلاس- ستيغال، والكونغرس ينبغي أن يقترع بشكل حاسم على ما إذا كان سيعيد تطبيقه، بحيث تستطيع أميركا أن ترى على نحو واضح أي ممثلين وضعهم وول ستريت في جيوبه.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات