يعتمد نجاح الفرد في حياته على معرفته لذاته ونقاط تميزه فيحافظ عليها، وجوانب الضعف ليجبرها ويقويها، ولا يمكن أن يتصالح الفرد مع بيئته دون أن يتصالح مع نفسه، ويدرك أن الله بعَدله لم يخلق إنسانا إلا ولديه ما يميزه، ولكن يرجع إلى الإنسان ذاته أن يكتشف تلك القدرات، ثم تأتي المرحلة التالية في اختيار الطريق الذي يوظف فيه هذه القدرات وما وهبه الله إياه، وينميها ويدربها ويعلمها ويوطنها لما فيه سعادته وخير من حوله أو يكون غير ذلك. فالجراح لديه مهارة في قدرة أصابعه على التعامل مع الأوردة دون أن يخطئ، بما يسمى بالحاسة السادسة، فتمضي حياته يطبب المرضى ويزيل أوجاعهم. واللص الخطير قد تكون لديه ذات المهارة في يديه، لكنه أراد بها أن يزيد آلام الناس ويعمق أوجاعهم. والله سبحانه وتعالى يقول في محكم التنزيل ((ونفسٍ وما سَوّاها فألهمها فُجورَها وتقواها قد أفلحَ من زكّاها وقد خاب من دسّاها))، والمعنى هنا أننا أسرى اختياراتنا، نحن الذين نختار الطريق الذي نسير فيه بإرادتنا. وهنا أود أن ألقي الضوء على الذين اكتشفوا ذاتهم من الناجحين، لنعرف كيف كانوا.

فقد يعتقد البعض أن المبدعين والذين أثروا الحضارة الإنسانية قد ولدوا مبدعين أو ناجحين هكذا، أو أن قدرهم أنهم نابغون، وغيرهم ولد على غير تلك الهيئة؛ الحق أن عدل الله بين خلقه لم يخلق إنسانا بلا قدرات تميزه، ولكن هناك من يعي ذلك، وهناك من يغيب عنه الإدراك.

تخبرنا سير الناجحين أنه لم تحل الظروف بينهم وبين ما يريدون مهما صعبت، كما أنهم لم ينتظروا أن تتغير الظروف المحيطة بهم حتى يتهيأ لهم النجاح، لكنهم كانوا يشاركون في صنع الظروف التي تحقق لهم ما يصبون إليه، وكما قال الشاعر أحمد شوقي:

وما نيل المطالب بالتمني ولكن تؤخذ الدنيا غِلابا

وما استعصى على قوم منال إذا الإقدام كان لهم رِكابا

أي الإرادة الإنسانية الساعية إلى التميز.

إن الإبداع والابتكار ليسا ومضات عقلية شديدة الخصوصية، إن لم يتبعها جهد متواصل ومثابرة لا تعرف اللين أو التردد؛ والتجربة تثبت أن العزيمة الحقة لا تعني قدرة كل منا على ألا يتعثر في طريقه، ولكنها القدرة على النهوض من العثرات ومواصلة الطريق حتى آخر مدى، ولو أن كل ناجح قد توقف عن المحاولة بعد تعثره لما رأينا ناجحين ولا لمسنا لهم أثرا.

ألم يحول لويس بريل (1809-1852) فقدانه لبصره في الثالثة من عمره، من إعاقة تحول بينه وبين الاستمتاع بحياته، إلى طاقة دفعته لاختراع طريقة للكتابة للمكفوفين، وهي طريقة بريل، التي تعتمد على تحويل الحروف الأبجدية والأرقام إلى نقاط بارزة يمكن قراءتها عن طريق اللمس، واعتبر اختراعه أعظم ما قدم للذين فقدوا بصرهم!

ألم يُطرد أديسون من المدرسة في مراحلها الأولى واتهم بالتخلف، غير أنه تعلم على يد والدته، التي كانت تعمل معلمة، ثم خرج على العالم باختراع غيّر شكل الليل وسلوك البشر ونظام حياتهم، وهو المصباح الكهربائي؟ دفعه إلى ذلك عدم قدرة الطبيب على إجراء عملية جراحية لوالدته المريضة ليلا وانتظر حتى يأتي النهار.. ولم يكن خروج نور المصباح إلى نور الحياة إلا بعد تسعة وتسعين محاولة، وهو الذي قال "الكثير ممن فشلوا لم يدركوا قربهم من النجاح عندما استسلموا، وأن المثابرة والكد والصبر هي أساس النجاح، وأن نسبة الوحي والإلهام هي 1% و99% عرق جبين"! حتى محاولاته الفاشلة عند اختراع المصباح الكهربائي لم يكن يراها فشلا بل فرصة للمعرفة، وقال عنها "أنا لم أفشل، لقد وجدت 10.000 طريقة لا يمكن للمصباح العمل بها".

ألم يتعثر "بل غيتس" في استكمال دراسته في هارفارد بعد عامين من التحاقه بها عام 1973، غير أنه بحث عما في داخله وانطلق هو وصديق طفولته "بول آلن"، ليطلق عليه لقب الأكثر نجاحا بين من انقطعوا عن الدراسة، ويظل اسمه لسنوات يتصدر قائمة أثرى أثرياء العالم، وبعد أكثر من ثلاثين عاما يعود إلى نفس الجامعة لتمنحه الدكتوراه الفخرية؟

إن البداية الحقيقية من الشخص ذاته وليست من خارجه، وقبل أن نسعى لتغيير البيئة من حولنا لا بد أن نمتلك القدرة على معرفة ذواتنا وكيف نتعامل معها، ونملك الرغبة في تغييرها، وأنه مهما كانت وعورة الطرق التي نسير عليها فلا شك أن هناك طريقا أفضل يجب البحث عنه بجد ودأب، وإلا فما هو البديل؟

فالإخفاق الذي يصادف الفرد في حياته هو رصيد من الخبرات يعينه على النجاح في التجارب المقبلة، وهو ما قاله "بكمنستر فولر"، المهندس المعماري الفذ في أربعينات القرن الماضي، والذي صمم منزلاً أطلق عليه اسم "ديماكسيون"، وهو يشبه الطبق الطائر، ويمكن تفكيكه بسهولة وتعبئته وحمله إلى أي مكان تنتقل إليه الأسرة. وعندما سئل مرة عن سر النبوغ، قال إنه مجموعة هائلة من الخبرات يحسن صاحبها استخدامها.

إن الأعمال الكبيرة الشاقة هي التي تصنع الرجال، والذين لم يمروا بعقبات في حياتهم هم من المغبونين لأنهم لم يشعروا بقيمة النجاح، فالسوط الذي لا يقصم الظهر يقويه، كما أن مجابهة التحدي والتعامل معه يكسر حاجز التردد، ويذهب عن النفس الوهن، فيكتشف الفرد قدرات كامنة في داخله لم تكن لتخرج دون استفزاز إيجابي.

إن قدرات الأوطان تتوقف على قدرات أبنائها، والإنسان هو أساس العملية التنموية، كما أن الشباب هو أغلى ما يملك الوطن، وتطوير قدراته كما هو مسؤولية مجتمعية، إلا أنها مسؤولية شخصية في المقام الأول.

إنها دعوة للتوقف مع النفس وتأمل الذات، عبر حديث داخلي ليحدد كل منا دوره في معرفة نفسه واكتشاف مكامن قوتها دون أن ينتظر من يقوم له بذلك، ليشارك في ركب البناء بدلا من أن يكتفى بالنظر متحسرا إلى الناجحين من حوله.