أميركا تفقد النفع العام

عندما كان الكونغرس الأميركي في عطلته السنوية، لم يكن أحد يعرف ذلك إلا بالكاد، فهذا الكونغرس كان الأكثر اتساما بالإحجام عن القيام بأي شيء منذ عقود مضت، ولكن العطلة أتاحت على الأقل هدنة في الصراع الدائر بين الحزبين، والذي سيعود إلى الاحتدام في الأسابيع المقبلة بالتأكيد، كما قدمت فرصة للتأمل وأن نسأل أنفسنا عمن يتعرض للخطر هنا.

إن المجتمع - أي مجتمع - يعرف أنه مجموعة من المنافع والواجبات المتبادلة، تتجسد على أوضح أشكالها في المؤسسات العامة؛ من المدارس العامة، المكتبات العامة، النقل العام، المستشفيات العامة، الحدائق العامة، المتاحف العامة، الجامعات العامة، وأماكن الترفيه العامة.. إلى آخره.

والمؤسسات العامة يدعمها دافعو الضرائب جميعا، وهي متاحة للجميع. وإذا كانت الضريبة تصاعدية فإن الأكثر ثراء (والذين يفترض أنهم قد استفادوا الكثير من هذه المؤسسات العامة)، يساعدون في الدفع نيابة عن الجميع.

أما "الخاص" فيعني "ادفع مقابل الخدمة لنفسك"، والنتيجة العملية المترتبة على هذا في أي اقتصاد، تتركز ثروته ودخوله الآن بشكل أكبر من أي وقت مضى خلال التسعين عاما الماضية، هي أن الخدمات ذات النوعية الأفضل تتوفر لأعداد أقل فأقل.

وفي حقيقة الأمر، فإن الكثير مما يوصف بـ"العام" هو خدمة خاصة بشكل متزايد يدفع لها مستخدموها، حيث نجد مقابلا متزايدا لاستخدام الطرق العامة والجسور العامة ومؤسسات التعليم الأرقى في ما يسمى بالجامعات العامة. والكثير من باقي الخدمات التي تعتبر "عامة" أصبحت متردية للغاية، بحيث أن أولئك الذين يمتلكون ما يكفي، يبادرون للحصول على بدائل خاصة، وحيث أن المدارس العامة تتدهور، فإن الشريحة العليا من الطبقة المتوسطة والغنية يرسلون أبناءهم إلى مدارس خاصة.

ولكن لماذا هذا التدهور في المؤسسات العامة؟ إن الضغط المالي على الحكومة، وعلى كل المستويات، منذ عام 2008 لا يفسر إلا جانبا فحسب من هذه الظاهرة. لقد بدأ الانزلاق منذ ما يزيد على ثلاثة عقود، مع ما يسمى "التمرد الضريبي" من قبل طبقة متوسطة توقفت مكتسباتها عن التقدم، وذلك على الرغم من أن الاقتصاد قد واصل النمو. ولا تزال أغلبية العائلات تريد خدمات عامة جيدة ومؤسسات عامة جيدة، ولكنها لم تعد تستطيع الدفع مقابل الحصول عليها.

منذ أواخر السبعينات ذهب معظم المكاسب من النمو، إن لم يكن كلها تقريبا، إلى القمة. ولكن مع انتقال الشريحة العليا من الطبقة المتوسطة والغنية إلى المؤسسات الخاصة، انسحب التأييد السياسي للمؤسسات العامة. ونتيجة لذلك، فإن معدلات الضريبة الهامشية انخفضت، الأمر الذي أوجد حلقة جهنمية من انخفاض العوائد وتدهور النوعية.

لقد بدأ التوسع الكبير في المؤسسات العامة في أميركا خلال السنوات الأولى من القرن العشرين، عندما دفع المصلحون التقدميون قدما بالفكرة القائلة إننا جميعا نستفيد من الخدمات العامة. وهكذا انتشرت المدارس، الطرق، الحدائق، وسائل النقل الممتازة في المجتمعات الصناعية، جنبا إلى جنب مع رفاه متزايد.

وعلى سبيل المثال، فإن التعليم كان استثمارا عاما أكثر مما هو استثمار خاص، الأمر الذي حسن المجتمع بأسره وأميركا بشكل مطلق.

وفي العقود التالية، وخلال الكساد العظيم، الحرب العلمية الثانية والحرب الباردة، تم توسيع نطاق هذا المنطق، واعتبرت المؤسسات العامة حاجزا يحول دون الفقر والفاشية ثم الشيوعية.

ولكن في أميركا ما بعد الحرب الباردة، بدأت ظاهرة تراكم الدخل في أيدي الأثرياء، الأمر الذي انعكس سلبا على المؤسسات العامة.

لم يواصل الديمقراطيون أنفسهم استخدام عبارة "النفع العام"، فالنفع العام الآن هو في أفضل الحالات "استثمارات عامة"، وتحولت المؤسسات العامة إلى "شراكات عامة - خاصة".

وعلى الرغم من هذا كله، فإن أميركا أوجدت الاستحقاقات الكبيرة لكبار المسؤولين التنفيذيين في وول ستريت، الذين لم تعد أميركا تسمح لهم بأن يفشلوا، وهم بمقدورهم الآن الاقتراض من الاحتياطي الفيدرالي بلا تكلفة، ثم القيام بإقراض المال بفائدة تتراوح بين 3% و6%.

وفي نهاية المطاف، فإن استحقاق وول ستريت هو أكبر استحقاق تقدمه الحكومة الفيدرالية، حتى وإن لم يكن يظهر في الميزانية العامة. وهذا الاستحقاق ليس نفعا عاما، وإنما هو مكسب خاص.

إننا نفقد المنافع العامة المتاحة لكل الأميركيين، والتي تدعمها المدفوعات الضريبية من جانب الجميع، وبصفة خاصة من جانب الأثرياء، وكأننا نجد لدينا اليوم المنافع الخاصة المتوافرة لفاحشي الثراء، والتي يتم دعمها من قبل جميع الأميركيين.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات