إن تاريخ الأوطان لا يقتصر على الأحداث التاريخية فحسب، بل سيرة رجاله ومسيرة بنائه التي يتوجب على أبنائه الاطلاع عليها على مختلف الصعد.
وفي كتاب «هويتنا الإعلامية» للأستاذة علياء حسن، جانب مهم من الجوانب المضيئة في تاريخ بلادنا، حين تتحدث عن مراحل تطور الإذاعة المسموعة في الإمارات، حيث توضح أن إذاعة صوت الساحل في منطقة المرقاب في الشارقة، تأسست في عام 1962 عن مكتب التطوير المنبثق من مجلس حكام الإمارات المتصالحة الذي تأسس عام 1952، وكان يهدف إلى العمل في تحقيق المصالح المشتركة بين الإمارات، واستمرت الإذاعة عدة سنوات قبل الاتحاد، وفي العام 1970 توقفت عن البث وحلت إذاعة دبي على التردد ذاته.
كما تعد إذاعة عجمان من أوائل الإذاعات في الدولة، والتي بادر بها وأشرف عليها راشد عبدالله بن حمضة، من غرفة في منزله في مطلع الستينات، وقد انبهر الإنجليز عند سماعهم بث الإذاعة فقدموا إلى حاكم عجمان الشيخ راشد بن حميد النعيمي، رحمه الله، طالبين منه زيارة مقر الإذاعة والتعرف إلى مؤسسها.
أما إذاعة عجمان الجديدة (الرابعة) فقد تأسست في سبتمبر عام 2001، بإشراف استوديوهات عجمان الخاصة، بهدف التواصل بين أفراد المجتمع وممثلي الدوائر الحكومية، وتتبعها عدة إذاعات تبث بالإنجليزية والهندية والمليالم.
وانطلقت إذاعة أبوظبي في فبراير 1969، وتغير اسمها في عام 1971 إلى صوت الإمارات العربية من أبوظبي لتصبح بذلك الإذاعة الرسمية للدولة، واهتمت بالتغطيات الخارجية للاحتفالات القومية.
كما تأسست إذاعة القرآن الكريم في عام 1979، والتي تختص ببث البرامج الدينية والفقهية الأسرية المتنوعة.
أما إذاعة «إمارات إف إم» فقد تأسست عام 1995، وهي من أكثر الإذاعات جذباً للمستمع محلياً وخليجياً، بسبب طابعها الإماراتي الخليجي الذي يغلب على جميع البرامج، ثم تأسست إذاعة «ستار إف إم» عام 2009، وتجمع بين الطابع العربي والغربي إلى جانب بث أحدث الأخبار العالمية، وتستهدف فئة الشباب العربي. ثم تأسست إذاعة أبوظبي كلاسيك إف إم عام 2009، لتصبح أول محطة إذاعية تعنى بالموسيقى الكلاسيكية في الدولة.
وقد تأسست إذاعة دبي عام 1971 على يد رياض الشعيبي الذي انتقل من إذاعة صوت الساحل بعد إغلاقها إلى إذاعة دبي، وحلت محل تردد إذاعة صوت الساحل، حيث كانت معنية بالبرامج الإخبارية، وبرامج البث المباشر التي تهدف للتواصل مع الجمهور والاستماع لمشاكلهم والسعي لحلها، إلى جانب البرامج الثقافية والشعرية الهادفة.
وفي عام 2011 بدأ بث الإذاعة الجديدة «دبي إف إم»، التي أطلقتها مؤسسة دبي للإعلام، لتقديم محتوى هادف ومتنوع، بإشراف مجموعة من أمهر الكوادر المواطنة والعربية، حيث تخاطب مختلف فئات المجتمع.
وافتتح صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، إذاعة الشارقة عام 1972، والتي تولي اهتماماً كبيراً بالمواطن العربي والمسلم، وفي نوفمبر عام 2000 يخرج صوت صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، ليعلن عن إعادة افتتاح إذاعة الإمارات العربية المتحدة من الشارقة، وطالب العاملين فيها بأن يتوخوا الشيء الجيد الذي ينفع الناس، وأن يبتعدوا عن الغث وما يجرح الحياء ويسبب الفرقة ويلهي الناس.
وانطلقت إذاعة رأس الخيمة عام 1972 من مقرها في منطقة المعيريض، لتبث برامجها بالعربية والإنجليزية والأوردية. وفي مارس عام 1978 بدأت إذاعة الإمارات العربية من أم القيوين، وامتد إرسالها ليشمل دول الخليج العربي، وفي عام 2006 انطلقت إذاعة القرآن الكريم من أم القيوين لبث الفكر الإسلامي المستنير، بعيداً عن التعصب والخلافات المذهبية، مجسدة بذلك قيم الإسلام السمحة.
وفي يونيو 2006 انطلقت إذاعة «الفجيرة إف إم»، وهدفت إلى التعبير عن رؤية المكان والأفق الذي يربطه بالعالم الخارجي مع الحفاظ على الهوية الوطنية. وفي أغسطس 2009 انطلقت من الفجيرة إذاعة زايد للقرآن الكريم، مهتدية في عملها بالمبادئ والأخلاقيات الإسلامية.
أردت من هذا التطواف في تاريخ الإذاعة المسموعة في الإمارات، أن أؤكد أن مسيرة الإعلام الإماراتي تستند إلى تراث تاريخي ينطلق منه، وأن طريق بنائها لم يكن معبداً في زمن عزت فيه الإمكانيات المادية والطاقات الفنية، إلا أن أبناء الإمارات استطاعوا، بما توفر لهم من إمكانات قليلة عوضتها عزيمة كبيرة، أن يقيموا تجارب ناجحة ومؤثرة، وهذه قيمة يجب أن تتوقف عندها الأجيال الشابة من أبناء الوطن كثيراً.
إن مسيرة الإعلام الإماراتي توضح لنا بجلاء أنها واكبت الاتحاد، وأن الاتحاد كما كان بين أبناء الإمارات المتصالحة، تماهت معه وسارت على دربه وسائل الإعلام أو الإذاعات التي تبث من مختلف الإمارات، فعزفت لحن الاتحاد ولم تغرد يوماً خارج سرب المصلحة الوطنية لتعزف لحناً نشازاً يؤذي النفس ويدمر الفكر، لكن مصلحة الوطن العليا والخير لأبنائه كانت الهدف الأسمى الذي سعت إليه وما زالت.
إن مسيرة الإعلام الإماراتي المسموع مسيرة كاشفة لحالة التطور وروح النهضة التي دبت في أوصال المجتمع الإماراتي، فسارت بخطى متسارعة وحققت قفزات هائلة، لكنها لم تكن في الهواء بل على أرض صلبة، قدمت من خلالها رسالة تثقيفية تنويرية ترفيهية تعليمية إرشادية تحافظ على الهوية الوطنية، في ذات الوقت الذي تنفتح فيه على ثقافات العالم دون خوف أو تردد أو ارتباك.
كذلك لقد وعت قيادة الإمارات منذ البداية، حقيقة الدور الذي ينبغي أن يقوم به الإعلام بشقية المسموع والمرئي، ليكون منبراً تستمع من خلاله إلى صوت المواطن أينما كان، فضلاً على اعتبار وسائل الإعلام جامعة مفتوحة للتثقيف والتنوير ومتابعة الأخبار، فكان لها دور لا يمكن إغفاله في عملية التطوير والتحديث وإبراز الهوية العربية والحفاظ عليها.
كما اختطت الإمارات طريقها الإعلامي على المستوى الإقليمي والدولي بوضوح، منذ النشأة وحتى الآن، في أن دورها يتمثل في التجميع والحفاظ على نسيج الوطن وكرامة المواطن وخصوصيته، بعيداً عن التشهير والقذف وإحداث الأزمات وإشاعة الخلافات، مع السمو فوق المصالح القطرية والنظر إلى صالح أمتنا العربية والإسلامية.. إن هذه الرؤية لبدايات مسيرة الإمارات الإعلامية وواقعها، تؤكد أنها مسيرة لها تاريخ مداده الجهد والعرق.