بالاهتمام نفسه الذي كنت أستمع به إلى الحوار الذي كان دائرا بين الصديقين العربيين السوريين، حاولت أن أجد مبررا لرأي كل واحد منهما المناقض للآخر. تمنيت ساعتها لو كنت أمتلك موهبة "فيصل القاسم"، كي أتبنى مرة وجهة نظر أحدهما وأدعمها بالأدلة والأسانيد، ثم أنقلب بعد قليل فأتبنى وجهة نظر الآخر وأفعل الشيء نفسه. ليس هذا قدحا في مقدم "الاتجاه المعاكس" الشهير.
وإنما هي محاولة للوصول إلى الحقيقة المجردة، رغم إيماني بأنه ليس ثمة حقيقة مجردة في هذا الكون، سوى وجود الخالق جل وعلا.
كأن كل هذا الانقسام العربي لا تنقصه سوى الحالة السورية التي لم يعد الصراع فيها بين السلطة الحاكمة ومعارضيها فقط، وإنما انتقل ليصبح بين المعارضين أنفسهم الذين تحولوا إلى أعداء متحاربين، وفتح الصراع بينهم جبهة أخرى، إلى جانب جبهة الصراع الأصلية بين النظام والثائرين عليه. هذا الانقسام الآخر انعكس على الشعب السوري خارج الوطن، مثلما هو منعكس عليه داخل الوطن بطبيعة الحال.
في الحوار الذي تابعته بين الصديقين السوريين، كانت وجهة نظر أحدهما تصر على أن الضربة الأميركية للنظام السوري ضرورية، لأنها ستضعف النظام وتعجل بزواله الذي أصبح ملحاً، كي ينعم الشعب السوري بالأمان والرفاه والعيش الكريم.
بينما ترى وجهة النظر الأخرى أن واقع الحال قبل قيام الثورة وبعدها لا يبشر بأن المستقبل سيكون أحسن حالاً من الماضي، فالأحوال المعيشية تردت إلى أدنى مستوياتها بعد عامين ونصف من الكر والفر اللذين شهدهما القطر السوري، بين جيش النظام والجيوش المتعددة التي يدعي كل واحد منها أنه يمثل الثورة.
وبعد أن انتقل هذا الكر والفر والاقتتال ليصبح بين هذه الجيوش المتعددة نفسها، لتغدو سوريا ساحة لمقاتلي جيش النصرة ودولة العراق والشام، وغيرها من الجيوش التي تصطبغ بلون "القاعدة" وتقاتل تحت رايتها.
في ظل هذا المشهد الفوضوي شديد الالتباس، يأتي التلويح بالضربة الأميركية ليزيد الأمور تعقيدا، ويطرح سؤالا حول توقيت هذه الضربة، والمتضرر الأكبر منها، والمستفيد الأكثر منها.
أسئلة تبدو إجاباتها غامضة في ظل سير الأحداث الدراماتيكي وتطوراتها المتلاحقة، التي يبدو أنها تقود نحو صفقة غير واضحة المعالم حتى الآن، ربما يتم طبخها في دهاليز الدول الكبرى، كي تظهر إلى العلن بعد نضجها، ووقتها فقط سوف يتضح من هو الرابح ومن هو الخاسر من هذه الصفقة التي تتم ترتيباتها في الخفاء.
هل هي صيغة أخرى من صيغ التفتيت مختلفة عن الصيغة العراقية في الشكل، متفقة معها في المضمون والنتيجة؟ هذا هو السؤال الذي يبدو أن طرحه مشروع، في ظل ما يجري على الساحة العربية، بعد أن أوشك "الربيع العربي" على إكمال عامه الثالث، دون أن تلوح في الأفق بادرة أمل على أن لهذا الربيع المزعوم أزهارا توشك أن تتفتح.
وفي ظل التحالفات التي تقيمها القوى التي كان يطلق عليها إمبريالية، مع تيار الإسلام الراديكالي الذي كانت تصفه بالإرهاب والتطرف، الأمر الذي يطرح أسئلة عديدة حول ما يجري.. وكيف يجري.. ولمصلحة من يجري..
وإلى ماذا سيقود! كل هذه الأسئلة وإجاباتها التي تبدو غامضة ومعقدة، ليست بعيدة عن الحوار الذي استمعت إليه بين الصديقين العربيين السوريين، وربما بدا عاديا لأنه يصب في صلب الموضوع الذي نتحدث عنه.
وهو إحداث هذا الانشقاق والاختلاف، ليس بين السلطة والشعب فقط، وإنما بين الناس العاديين الذين أصبحوا يجدون أنفسهم في حيرة، بين الاندفاع وراء الأحلام التي كانوا يتوقون إليها ويتمنون تحقيقها، وبين التسليم بالحقيقة التي تقول إن ثمة واقعا جديدا يتشكل على الأرض، هو أبعد ما يكون عن تلك الأحلام التي تكونت في عالم الأمنيات ذات مساء مفعم بالآمال التي أحدثتها تلك الصحوة المفاجئة، والتي سرعان ما أجهضها الحالمون بالسلطة، المنتظرون لهذه اللحظة، المتربصون بصحوة الشعوب لاستغلالها وركوب موجتها.
إنها ليست نظرة سوداوية قدر ما هي نظرة واقعية، في ظل ما جرى ويجري على الساحة العربية، وفي ظل المتغيرات التي لا تخلو من رائحة المؤامرة، التي مهما حاولنا أن نبتعد عن التفكير فيها، فإننا نجد أنفسنا قريبين منها، ليس لأننا نعشقها.
وإنما لأن الآخرين هم الذين يعشقونها، ولا يستطيعون أن يديروا أمور العالم الذي يحسبون أنفسهم أوصياء عليه دون اللجوء إليها، وإدخال خيوطها في نسيج كل ثوب جديد تحاول الشعوب أن تحيكه لنفسها، على مقاسها، ووفق ذوقها، بعد أن تخلع الثوب القديم الذي ترتديه، أو تمزقه.
"اضرب يا أخي وخلصنا" قالها صديق ثالث كان يتابع معي الحوار، لم يوجهها إلى الرئيس الأميركي باراك أوباما قاصدا أن يضرب سوريا، كما قد يتبادر إلى الذهن، وإنما وجهها لي قاصدا أن أضرب الجرس، كما يحدث في المدرسة، لإنهاء هذه الحصة المملة التي أصبحت مقررة علينا في وسائل الإعلام المختلفة، وفي مجالسنا العادية، قبل أن تنتقل إلى بيوتنا لتصبح محور حواراتنا اليومية.
كان بودي أن أضرب فعلا يا صديقي، لكن الجرس ليس معي، وإنما هو مع ذلك الذي ذهب ليعلقه في رقبة القط المرعب، ولم يعد حتى الآن.