سيد قطب وحفنة التراب العفن

العبارة المنسوبة لمنظّر العنف والإرهاب الإخواني سيد قطب والتي نصها "ما الوطن إلا حفنة من تراب عفن"، تلخص طريقة تعامل هذا التنظيم الإرهابي مع الفكرة الوطنية، وعلاقة الناس ببلدانهم على غير ما علمنا إياه الشرع الحنيف كتاباً وسنة.

وهذه العبارة التي تبناها أخيراً مرشدهم الحالي محمد بديع في تغريدة له، عدا عما فيها من كلام لا يصح أن يقوله عاقل عن وطنه، تأتي في نفس سياق فكر الإخوان الخارجي الرافض لكل ما يختلف عنهم، والذي يحاول أن يختصر الدين والخلق في اجتهاداتهم المأفونة فقط.

أعدم سيد قطب يوم 29 أغسطس عام 1966، بعد أن حكمت عليه محكمة مصرية بالإعدام بتهمة التآمر لقلب نظام الحكم، واستغل الإخوان إعدامه لتحويله إلى أسطورة هلامية استخدمت كرافعة لنشر فكرهم، مستفيدين من الخلاف السياسي بين بعض الدول العربية وحكم عبدالناصر آنذاك، إضافة إلى التلاعب بالمشاعر الدينية للبسطاء، محاولين تصوير الأمر على أن نظاماً يسارياً أعدم عالماً مسلماً مفسراً للقرآن الكريم!

لكن حياة سيد قطب في المجمل تختصر سلوك الإخوان ككل.. فهو شخص متناقض، كانت وظيفته التربوية تحتم عليه أن يكون قيّماً على الأخلاق العامة، فإذا به يؤلف القصائد عن القبلات الحارة (1937)، ثم إذا به يتصدر المجالس مدافعاً عن ديوان شعر إباحي للشاعر نزار قباني (1947)..

وهو فوق ذلك رجل حاقد على ما يخالفه، ذو ذات متضخمة على استعداد لإدانة الدنيا بأكملها إذا خدشته شوكة صغيرة. في أوائل الأربعينات حُرم من ترقية صغيرة في وزارة المعارف، فانقلب إلى الضد وأصبحت مقالاته تعتبر النظام التعليمي برمته فاسداً وسيئاً ومفسداً للأخلاق، بعد أن كانت مقالاته السابقة تقول عكس ذلك.

ثم حين حصل على منحة دراسية لأميركا وواجه هناك شخصاً أبيض عامله بجلافة بسبب سحنته السمراء، تحولت أميركا كلها في نظره إلى شيطان لا يوجد فيها إنسان واحد صالح، حتى قال قولته العنصرية المأفونة: إن كل مشكلات العالم سببها الرجل ذو البشرة البيضاء! ومن يقرأ كتابه "أميركا التي رأيت" والذي ألفه قبل انضمامه للإخوان، يلاحظ ذلك بسهولة!

هذه الخلفية مهمة لكي نفهم طبيعة تفكير هذا الرجل، الذي يضفي عليه الإخوان هالة من القدسية المزورة، إلى حد رفض أي انتقاد لطروحاته وأفكاره واعتبار ذلك انتقاداً للإسلام.. والإسلام براء من هذه الآراء والاجتهادات.

فنحن إذن، أمام رجل لديه الاستعداد الفطري والفكري والنفسي للتناقض والتطرف في الرأي بناءً على أصغر التجارب الشخصية، فكيف إذا كانت هذه التجربة الشخصية حبسه من قبل القضاء المصري سنوات عدة على خلفية عضويته في تنظيم الإخوان؟

هل نستطيع أن نفهم الآن حجم التطرف والحقد الذي ينساب في مؤلفاته (التي كتبها في السجن) وما فيها من مغالاة في تكفير المجتمعات الإسلامية المعاصرة وأنظمتها الحاكمة واستباحة دمائهم ووصمهم بالجاهلية؟

.. فقد أصبحوا كلهم في نظره ذلك القاضي الذي جلس على منصة القضاء وحكم عليه بالسجن. وغني عن القول هنا أن هذا انعكس كثيراً في تفسيره المسيّس والمليء بالهوى، لآيات كتاب الله الحكيم والذي يسوقه الإخوان بأنه تفسير عصري وينخدع به للأسف كثير من المسلمين. خذوا مثلاً كيف لوى عنق آيات الله في تفسيره لآيات ((ومن لم يحكم بما أنزل الله)) (في سورة المائدة).

حيث أخرجها من سياقها وخالف في تفسيرها ما اتفق عليه جمهرة علماء المسلمين سلفهم وخلفهم. وخذوا مثلاً كيف تجنى على الكتاب الحكيم في تفسير الآية الكريمة ((يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم)) (النساء 135)، حيث حورها لتخدم هدفاً سياسياً، خلافاً لما عليه علماء الأمة وتفاسيرها المعتمدة في سالف أيامها وحاضرها. وهذا غيض من فيض، فمن يدقق يجد الكثير الكثير من هذه الأمثلة.

ويستحق الذكر هنا موقف علماء الأزهر الشريف من مؤلفاته، حيث أجمعت اللجنة العلمية التي شكلها الإمام الأكبر الراحل فضيلة الشيخ حسن مأمون، برئاسة فضيلة الشيخ محمد عبداللطيف السبكي رئيس لجنة الفتوى بالأزهر، والتي خلصت إلى أن سيد قطب يقدم في مؤلفاته "ما يهيّج مشاعره الدينيّة.

وخاصة إذا كان من الشباب أو البسطاء الذين يندفعون في غير رؤية إلى دعوة الداعي باسم الدين، ويتقبّلون ما يوحى إليهم من أحداث، ويحسبون أنها دعوة الحق الخالصة لوجه الله، وأن الأخذ بها سبيل إلى الجنة".

ثم قالت: "إن سيد قطب استباح باسم الدين أن يستفز البسطاء إلى ما يأباه التديّن، من مطاردة الحكام، مهما يكن في ذلك من إراقة الدماء، والفتك بالأبرياء، وتخريب العمران، وترويع المجتمع، وتصدّع الأمن، وإلهاب الفتن؛ في صور من الإفساد لا يعلم مداها غير الله".

وهنالك الكثير من المواقف المشابهة لعلماء أجلاء، مثل ابن باز وابن عثيمين والألباني، كلها ترد على طروحات سيد قطب وأفكاره، بل وبعضها يصفه بالردة، ويشنع عليه في مسائل عقدية وفقهية وحديثية عديدة، بيّن جهله فيها أشد البيان.

هذا كله يعيدنا إلى فكرة سيد قطب عن الوطن ووصفه بأنه حفنة تراب عفنة.. فالواقع أن الإخوان ككل، ومنظريهم الأساسيين بدءاً من البنا ومروراً بسيد قطب وانتهاءً بأمثال محمد أحمد الراشد (العراقي عبدالمنعم العزي) ومحمد أبو فارس وفتحي يكن، لديهم مواقف ملتبسة تجاه فكرة الوطن، حيث يحاولون التلاعب بالفكرة أكثر من التعامل معها، فمرة يدعون أنهم يتقبلون فكرة الوطنية كعاطفة ويرفضونها كعصبية،.

ومرة يلعبون على وتر تقسيم الأفعال كما يريدون، حيث نجدهم مثلاً يعتبرون أن تنظيم المظاهرات والاعتصامات هو دليل على وطنيتهم. لكن المشترك في كل هذه الطروحات هو رفضهم وتجنبهم الحديث عن الدولة الوطنية بمفهومها العصري الحديث، لصالح فكرة ضبابية غائمة اسمها "الخلافة".

وعملياً لا ترد الدولة الوطنية في الأدبيات الفكرية المؤسسة لطروحات الإخوان، وإنما ترد فقط في الخطابات الانتخابية والديماغوجيا السياسية التي تستهدف التلاعب بمشاعر البسطاء، الذين تم التلاعب بهم ابتداءً بترويج تفسيرات الإخوان الانتقائية المسيسة للطروحات الدينية.

بهذا المنطق كله، لا يتوقع من سيد قطب ولا من محمد بديع ولا من غيرهم، أن يروا في أوطانهم شيئاً سوى حفنة التراب العفن.. ومن لديه شك فليدرس وبشكل تطبيقي، سلوكيات الإخوان في الحكم؛ من محمد مرسي في مصر حتى إسماعيل هنية في غزة، حتى نظام الإنقاذ في السودان، حتى حكومة النهضة في تونس!

حمى الله أوطاننا من كل فتنة ومن كل داعية فتنة!

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات