أعلن جهاز الإحصاء الفلسطيني أن عدد الفلسطينيين قد زاد من 1.37 مليون نسمة عام 1948 إلى 11.6 مليوناً بنهاية 2012. وهذا يعني تضاعفهم ثماني مرات ونصف منذ وقوع النكبة.
وقال الجهاز إن عدد الفلسطينيين في الضفة وغزة بلغ 4.4 ملايين نسمة عام 2012؛ منهم 2.7 مليون في الضفة و1.7 مليون في غزة. هذا في حين تزايد عدد فلسطينيي 1948 من 154 ألف نسمة وقت وقوعهم تحت السيطرة الإسرائيلية إلى 1.4 مليون في العام 2012.
وتبرز الإحصاءات أن القوام السكاني للشعب الفلسطيني يتوزع مناصفة وبالتساوي بين المقيمين داخل فلسطين التاريخية، بين النهر والبحر، وبين اللاجئين خارجها بواقع 5.8 ملايين نسمة لكل من الشريحتين.
بالتزامن تماماً مع هذا الإعلان الفلسطيني، ذكرت المصادر الإسرائيلية أن سكان إسرائيل قد تضاعفوا عشر مرات خلال الفترة ذاتها.. من 806 آلاف نسمة عام 1949 إلى 8.2 ملايين عام 2012.
ونفهم من التفصيلات ذات الصلة أن سكان إسرائيل يتوزعون بين 6.32 ملايين من اليهود وبين 1.7 مليون من "الأقليات غير اليهودية". والمقصود بالأخيرين فلسطينيي 48 بالإضافة إلى فلسطينيي القدس المحتلة منذ 1967؛ الذين لا تدرجهم هذه المصادر - وللسخرية - تحت بند سكاني واحد، متجاهلة أرومتهم الوطنية والقومية الواحدة.
وتورد هذه المصادر بأن نسبة الإسرائيليين المتيقن من يهوديتهم لا تزيد على 73%.. وإذا أضفنا إلى هؤلاء مجموعتي فلسطينيي 48 والقدس وهما زهاء 20%، فإنه يتبقى لدينا 7% من الإسرائيليين المشكوك في يهوديتهم؛ الذين استقبلتهم دوائر الهجرة والاستيطان لمجرد تكثير القطاع غير العربي في الدولة.
من الأسئلة التي قد تراود أذهان البعض بالخصوص، أنه إذا كان معدل تكاثر الفلسطينيين (نحو 4.5% سنوياً) يساوي تقريباً ضعفه لدى اليهود (2.3% في أفضل التقديرات)، فما الذي جعل السكان اليهود يتزايدون منذ النكبة لعشر مرات مقابل ثمانية ونصف للفلسطينيين؟ تفسير ذلك ببساطة يقع في بيان فضل موجات الهجرة اليهودية واستجلاب المستوطنين، التي عوضت معدل التكاثر الذاتي المهيض.
تبدو هذه المعطيات مقلقة لسدنة المشروع الصهيوني. ومما يزيدهم قلقاً على قلق ضعف إقبال يهود العالم على الهجرة إلى "أرض الميعاد".
وإذا ما أصرت النخبة الصهيونية الحاكمة في إسرائيل على توكيد الهوية اليهودية للدولة، فسوف يتفاقم هذا القلق على اعتبار هذه التسمية ستعزز إلغاء المسافة الذهنية، وربما القانونية والدبلوماسية، بين إسرائيل وبين يهود العالم، وسيمسى من السهل أكثر على شعوب وعوالم الآخرين إلصاق كل الموبقات الإسرائيلية بالقطاعات اليهودية أينما وجدت.
ويتصل بتوابع التوكيد على يهودية إسرائيل صعوبة تحشيد مهجرين من غير اليهود إليها، وكذا تساؤل مستوطنيها غير اليهود؛ الذين قلنا إنهم 7% من سكانها، عن مصيرهم داخلها، ثقافياً وحقوقياً بخاصة. ففي حالة كهذه ستصبح أوضاع هذا القطاع أقرب إلى مكانة المرتزقة؛ أما إذا أحسنا الظن، فقد يؤول هؤلاء إلى ما يشبه وضعية العمالة المهاجرة، التي تعيش على هامش المجتمع.
كأن قضية تثبيت يهودية إسرائيل تنطوي على أبعاد اجتماعية سكانية سلبية.. أبعاد إما أنها غير محسوبة لدى النخب الحاكمة هناك، وإما أنها معلومة لديهم ولكنهم يكنسونها تحت السجاجيد، مهتمين فقط بالتضييق على فلسطينيي 48 وإجبارهم على التفكير في خيارات مريرة.
الشاهد أن إسرائيل تعيش هاجس إشكالية سكانية مستعصية؛ تتدحرج مع الوقت نحو الأسوأ. لكن هذه الحقيقة لا يجب أن تتخذ وحدها مطية للاعتقاد بأنها العامل الحاسم في تعيين مستقبل هذه الدولة.
الأكثر حكمة وحصافة هو مقاربة تداعيات هذه الإشكالية ذات الطبيعة الكمية ضمن محددات أخرى من طبيعة كيفية، كمعطيات القوة المادية والتسليح والجهوزية العلمية والتنظيمية والتعبوية والدعم الغربي... إنها المعطيات التي طالما أدت إلى عربدة إسرائيل بقوامها الجغرافي والسكاني المحدود على أمة العرب من الخليج إلى المحيط.