أصدر رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، توجيهاً بإقامة ما أسماه منتدى مشترك بين حكومته والطائفة المسيحية، بهدف العمل على انخراط المسيحيين في الجيش والخدمة المدنية، ودمجهم في الحياة العامة في الدولة.
ويذكرنا هذا المسعى بجهود إسرائيلية أقدم، تتعلق بممارسة السياسة الاحتوائية التمييزية ذاتها، على من تصفهم إسرائيل بقطاعي الدروز والبدو.بفعل السياسات الإسرائيلية الاستئصالية والقمعية، التي لم تستثن شريحة من الشعب الفلسطيني الأصيل، لم يتبق الآن من المسيحيين في أرض مهد المسيح والبعثة المسيحية، سوى نحو 200 ألف نسمة فقط. ويتحرق القائمون على هذه السياسات إلى استدراج هذه البقية، وإقحامها داخل الشعاب الإسرائيلية الشائكة.
هذا أمر معلوم لدى الكثيرين منذ عقود، وما كان له أن يسترعي انتباهنا بشكل استثنائي اليوم، لولا أنه جد جديد فارق، يؤكد أننا إزاء حالة ارتباك وتناقض في هذا الإطار. فتكثيف العمل لتجنيد المسيحيين وإدماجهم، يتعارض إلى درك التناقض مع السعي الإسرائيلي لإشهار يهودية الدولة، وتعميق أبعاد التمييز ضد غير اليهود داخلها وخارجها.
من المهم جداً، ملاحظة أن الأسرلة أمر واقع على كل من يحمل بطاقة هوية وجواز سفر إسرائيليين.. هي مكانة قانونية وسياسية، تحدد صلة الدولة بمواطنيها وتنسبهم إليها. وهنا، قد يكون المواطن إسرائيلياً يهودياً أو إسرائيلياً مسلماً أو إسرائيلياً مسيحياً...، كما يصح أن يكون فلسطينياً عربياً وفقاً لهويته القومية التاريخية، ولكنه إسرائيلي بحكم بطاقة الهوية وجواز السفر، وهذه هي وضعية فلسطينيي 48.
وعلى صعيد آخر، لا يصعب الجمع أو تعز المزاوجة بين القناعات الصهيونية وأية جنسية لدى أي شخص في هذا العالم الفسيح. دائرة الصهاينة والمتصهينين كانت وما زالت أوسع بكثير من دائرة اليهود والإسرائيليين.
الولايات المتحدة وحدها تضم زهاء 80 مليوناً من الأميركيين المعتنقين لأفكار صهيونية، وهناك مثل هذا العدد تقريباً من الأوروبيين. وفي الوقت ذاته، ثمة يهود لا يمكن تصنيفهم كصهاينة، لعدم قناعتهم بالصهيونية، بل إن منهم من يناهضها ويناصبها العداء، ويقاوم توجهاتها الانعزالية العنصرية.
غير أن التركيز المتبجح راهناً ومستقبلاً على يهودية إسرائيل، يحجب أسس هذا التعامل، أو لنقل هذا التعايش الصعب، بينها وبين مواطنيها غير اليهود. فهذا الاتجاه يقود بالضرورة إلى انكماش طرفي العلاقة على ذواتهما، بمعنى أن تقوقع الدولة على ذاتها اليهودية، سوف يقابل بتوقع غير اليهود فيها على ذواتهم، وهو تصور يطال القطاع المسيحي داخل دائرة فلسطينيي 48..
وعليه، لا تتسق الدعوة الفوارة ليهودية إسرائيل، مع الدعوة لدمج المسيحيين أكثر فأكثر فيها، وصولاً إلى إلحاقهم بجيشها، الذي يفترض أنه سيصبح على نحو محدد بصرامة، جيش اليهود والدولة اليهودية، لا جيش دولة لكل مواطنيها.
صدور هاتين الدعوتين المتعاكستين، بشكل متزامن عن أعلى سلطة في إسرائيل، دليل قوي على فوضى الخيارات والتوجهات. فقد تطلع نتنياهو إلى دعم دعوته من لدن طرف مسيحي متواطئ، لكن البطريرك السابق للاتين ميشيل صباح، المعروف بشعبيته الجارفة في الوسط الفلسطيني المسيحي وغير المسيحي، استنكر هذه الدعوة وشجبها.
مشيراً إلى أن "هناك توافقاً مسيحياً على رفض الانضمام إلى جيش إحدى مهامه ممارسة العدوان والاحتلال على الشعب الفلسطيني والشعوب العربية، فيما مهمته الأخرى هي محاولة صهر مكونات التجمع الإسرائيلي في بوتقة واحدة، صهيونية الهوية والفكر..".
والحق، أن إشارة البطريرك الشجاع إلى المهمة الأولى للجيش صحيحة تماماً، أما تشخيصه للمهمة الثانية، فيحتاج إلى إعادة نظر في ضوء تعويم الهوية اليهودية، وتأكيد صدارتها في إسرائيل. إن الاتجاه الآخذ في التبلور رسمياً، يستهدف إزالة المسافة المحدودة بين إسرائيل واليهودية. ولما كانت اليهودية دائرة مغلقة عقيدياً، لا يصح النفاذ أو الانتماء إليها من غير اليهود، فإن الهدف الأسمى من تجييش المسيحيين والبدو والدروز.
ومن تيسر من فلسطينيي 48، هو إشاعة المزيد من الفرقة والتناحر وشق ذات البين داخل هذه الشريحة. إن الذين يسعون لتهويد إسرائيل من رأسها إلى أخمصها، يستحيل عليهم أن يكونوا صادقين في دعوتهم إلى دمج غير اليهود في صلبها ونواتها الأقوى، الجيش. الحقيقة أنهم يضمرون إثارة قضية خلافية وإلقاءها في وجه الجماعة المسيحية الفلسطينية الأصيلة.
وقد فعلوها من قبل مع فئات أخرى على أسس قبلية أو إقليمية أو طائفية.. وهذا بالضبط ما انتبه له مجلس الأرثوذوكس لفلسطينيي 48، الذي سخر من نتنياهو ومنتداه العتيد "الذي يقصد شق المجتمع الفلسطيني في إسرائيل". ونحسب أن نتنياهو وبطانته على دراية بهذا الموقف، لكنهم لن يملوا من المحاولة، على اعتبار أن "الطلق الذي لا يصيب يدوش".