لعل أكثر ما يلفت النظر إلى الإمارات، هو إحساس الفرد بالشعور بالأمن والأمان السائد في ربوعها، والذي يشعر به المقيم والزائر على حد سواء. هذا الشعور مهم ليس فقط من النواحي السياسية أو الأمنية والاجتماعية، بل من النواحي الاقتصادية أيضاً. فإحساس الفرد بالأمن والأمان قضية يحبذها خبراء الاقتصاد والمحللون، لأن هذا الشعور هو عامل مهم للاستقرار النفسي والمجتمعي، وهو ما يثير السعادة التي غالبا ما تدفع المستهلك للشراء، بينما يدفعه الشعور بالخوف أو التهديد، كحالات الحروب والثورات مثلاً، للإبقاء على ما لديه من مخزون مادي، سواء كان سائلاً أو منقولاً للطوارئ.

ففي الغرب مثلًا، تعد حركة المستهلك في الأسواق، سواء سوق التجزئة أو أسواق المال والعقار، مؤشراً مهماً على التعافي أو النمو الاقتصادي. ولذا فهناك مؤشر يرصد باستمرار حركة المستهلك صعوداً وهبوطاً، لارتباطها بحركة الاقتصاد القومي ككل. كذلك يقاس معدل النمو الاقتصادي الشهري أو السنوي، بحركة الأسواق وخاصة التجزئة، لأنها دليل على تعافي الاقتصاد لإحساس المستهلك بالاطمئنان في حياته.

لهذا فمن يتابع حركة التسوق النشطة في مراكزنا التجارية، وحركة صعود مؤشر العقار في معظم أرجاء الإمارات، ونشاط معظم القطاعات الاقتصادية المرتبطة بأسواق المال والبورصة، لا شك سيربط بين هذه الحركة النشطة وذلك الشعور بالأمن والأمان السائد في ربوع دولتنا، والذى يشجع المستهلك على الشراء والاستهلاك. فليس فقط ما يدفع الناس للشراء هو الأسعار التنافسية الموجودة لدين.

ولا مستوى الحياة العالي وتوفر الخدمات وتنوع البضائع، ولكن أيضا ذلك الشعور بالسعادة والاستقرار النفسي، الذي يدفع الفرد إلى الرغبة في توفير أقصى معدلات الرفاهية الممكنة له ولأسرته، والاستفادة من ذلك التنوع الاقتصادي الرائع الموجود لدينا.

وكدولة تعتمد على التجارة، وخاصة تجارة التجزئة، وعلى أسواق الأسهم والعقار، وعلى السياحة كمصدر مهم للدخل، تعمد الإمارات على الدوام إلى رصد دقيق لحركة مؤشر المستهلك، فهي دليل قوي ليس فقط على حالة السوق، ولكن على الحالة الاجتماعية في مجملها. فتلك العلاقة الوثيقة بين الاقتصاد وبين الاستقرار والأمن والأمان الموجود في أي مجتمع، تجدها متجسدة عندنا في الإمارات بصورة ملحوظة وواضحة، في حركة الأسواق وفي الحركة السياحية كذلك.

الشعور بالأمن والأمان لا يدفع فقط المستهلك الداخلي إلى الاستهلاك دون خوف أو وجل، بل يدفع المستثمر الخارجي أو الأجنبي إلى القدوم واستثمار أمواله في الداخل، سواء في أسواق الأسهم أو العقار، وهو مطمئن. فإحساسه أن أمواله ليست فقط في أمان ولكن مضمونة الربح أيضاً، تدفعه إلى ضخ ماله إلى الأسواق المحلية وهو ضامن لرأس ماله.

ولكي تقدم الدولة دليلاً على الشفافية في التعامل الاقتصادي، فإنها تقدم تقريراً دورياً عن حركة رأس المال الأجنبي، سواء في سوق التجزئة أو في سوق المال والعقار. فإذا ما كانت حركة رأس المال الخارجي نشطة جداً، فهي دليل قوي على القوة الاقتصادية، والعكس صحيح. وربما لاحظنا ذلك خلال الأزمة الاقتصادية، عندما كانت التقارير تقدم لنا وبصورة يومية أخبار حركة رأس المال الأجنبي.

أو ما سمي آنذاك بالأموال الساخنة. فقد جاءت تلك الأموال الساخنة إلى بلدنا هرباً من التذبذبات في بلدانها الأصلية أو البلدان التي طالتها الأزمة، وهرباً من توابع تلك الأزمة، ولكن ما إن أحست ببوادر وصول تلك الأزمة إلى أسواقنا حتى هربت بحثاً عن ملجأ آمن آخر، لذا سميت بالأموال الساخنة، إذ كان عاملا الأمن والأمان عنصرين مهمين في ما حصل، ولهذا تعد المحافظة على استمرارية هذين العاملين، مهمة ضرورية لديمومة التعافي الاقتصادي.

لقد نجحت الإمارات ومنذ قيامها، في المحافظة على عامل الأمن والأمان في ربوعها، على الرغم من وجودها في منطقة عرفت على الدوام بسخونتها السياسية. وعلى الرغم من هذا الموقع، إلا أن الإمارات استطاعت وبحكمة، أن تحافظ على عنصرين مهمين طوال العقود الماضية، ألا وهما عنصرا الأمن والأمان الملحوظان على كل المستويات.

فنجاح الإمارات في تحقيق معدل نمو اقتصادي عالٍ هو إنجاز مهم لها، ولكن الإنجاز الأهم هو قدرتها على توفير عنصري الأمن والاستقرار النفسي لكل من سكن في ربوعها. فلا غرو أن تحوز الإمارات مراكز متقدمة في معدل مؤشر السعادة بين المجتمعات، ولا غرو أيضاً أن تحوز التجربة الإماراتية الإعجاب أينما قورنت بغيرها من تجارب الأمم والشعوب.