من المعلوم بداهةً أنه لا توجد طُرُق مختصرة للنجاح، وأن البناء المتماسك لا يمكن القفز بين مراحله طلباً للنهاية السعيدة بأسرع وقت ممكن، وأنّ المؤسسات العظيمة لا توجد عبثاً، ولا تخرج فجأة، ولا تستمر بالتألق من باب الصدفة.. فرهانها على التخطيط السليم، وفلسفتها قائمةٌ على البناء المتأني، والتفكير لخطوتين إلى الأمام عندما ينشغل الباقون بالخطوة اليتيمة التالية!

كنتُ وما زلت أُتابع بإعجاب منذ سنين عدّة، النجاحات الملفتة لجهاز أبوظبي للاستثمار، من دون ضوضاء إعلامية أو محاولة استدرارٍ للإعجاب، والذي طالما تسبّب في مقتل تلك المؤسسات الباحثة عنه.

فالصندوق الذي تم إنشاؤه بدايةً عام 1967 تحت مسمى «مجلس الاستثمارات المالية»، كجزء من وزارة مالية إمارة أبوظبي، بتوجيهٍ من حكيم العرب المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله تعالى، قبل أن يتشكّل الجهاز بصورته الحالية عام 1976 .

ويبدأ في تنفيذ رؤية المغفور له بإذن الله، لتنويع مصادر الدخل بُعداً عن الاعتماد على النفط كمصدرٍ وحيد، وللمحافظة على وتنمية ثروات الأجيال القادمة، في بُعد نظرةٍ أخّاذ له رحمه الله، رغم أن الدولة الوليدة كانت لا تزال في بداياتها.

لكن القادة العظام دائماً يرون ما لا يراه الآخرون، وينتبهون لما يمرّ على غيرهم مرور الكرام، ويضعون لكل الاحتمالات احتياطاتها وحلولها الوقائية.. فالقمّة يطمح لها الكل ويحاول وصولها الكثيرون، ولكن لا يرتقيها إلا الأفذاذ وحدهم!

إنّ جهاز أبوظبي للاستثمار ينتمي لفئة صناديق الثروات السيادية، وهي الصناديق المختصة بإدارة ثروات الحكومات واحتياطياتها المالية، وخلال الثلاثين سنة الأخيرة حافظ على نسبة عائد في استثماراته في الأسواق العالمية بلغت 8.2%، مما أهّله ليتبوأ صدارة الصناديق السيادية لسنين طويلة.

وفي آخر قائمة لأقوى الصناديق السيادية عالمياً، أصدرتها مؤسسة SWF Institute المختصة بدراسات هذه الصناديق، كان جهاز أبوظبي ضمن أقوى ثلاثة، مع صندوق المعاشات النرويجي وصندوق سما السعودي، بفروقاتٍ يسيرة في قيمة الأصول بينها.

ولم يكن ذلك ليتأتى لولا التخطيط السليم لمسار استثماراته طويلة الأجل، وانتقائيته العالية في اقتناص الفرص الاستثمارية في إطارٍ حذر، وهو ما عبّر عنه سمو الشيخ حامد بن زايد آل نهيان العضو المنتدب للجهاز، بقول:

إنّ العام الماضي قد عزّز من رؤيتنا في أهمية دور التنويع والاستثمار طويل الأمد، في مواجهة تقلبات الأسواق ومخاطرها غير المتوقعة وتحقيق عوائد مأمونة. فالمجازفات غير المدروسة بعناية قد تأتي بنتائج وخيمة كما حدث لمؤسسة الخليج للاستثمار، على سبيل المثال، عندما خسرت ما يقارب 7.4 مليارات دولار خلال استثماراتها في بنك UBS.

بينما صندوق الثروة السيادية القطري بدوره تعرّض لخسارة تقدر بـ30.9 مليار دولار في استثماراته، خلال الأزمة الاقتصادية العالمية، والتي شملت استثمارات في بنوك كريدي سويس، ميريل لينش، وباركليز، كما تعرّض الجهاز نفسه لبعض التعقيدات في صفقة سيتي بنك.

فلسفة جهاز أبوظبي للاستثمار تقوم على عدم التدخل في إدارة الشركات العالمية التي تستثمر فيها، وهي فلسفة صائبة للغاية منعاً لحدوث تعارض بين الثقافات المؤسسية، والتي كثيراً ما كانت السبب في فشل العديد من صفقات المشاركة والاندماج.

كما يبرز التوجه للاستثمارات ذات المخاطر المعقولة، منعاً للانزلاق في فُرصٍ برّاقة لكنها تحوي الكثير من حالة «اللا تأكد» والمخاطرة، والتي تُثبِت الوقائع والأحداث حول العالم عدم صوابها فضلاً عن جدواها.

كما توجد نزعة متزايدة للاستثمار في الأسواق الناشئة، والتي تُمثّل مستقبل الاقتصاد العالمي، كما يؤكد على ذلك سمو الشيخ حامد بقوله إنّ «القيادة الاقتصادية للإمارة تتوجه للأسواق الناشئة، ليس لأنها تمثل 50 % من الثقل الاقتصادي العالمي حالياً، بل لأن مساهمتها المتوقعة مستقبلاً ستكون عالية للغاية».

ولهكذا رؤية وأداء احترافي رفيع، لم يكن مستغرباً أن تخرج أخيراً لائحة SWF Institute لأقوى 100 شخصية وأكثرها تأثيراً في عالم الاستثمار الدولي، وهي تضع سمو الشيخ حامد بن زايد في المرتبة الأولى، في دلالة واضحة على ثقل إمارة أبوظبي وذراعها الاستثماري المذهل في الاقتصاد العالمي.

لقد لعب جهاز أبوظبي للاستثمار مع بقية الصناديق السيادية، دوراً رئيسياً في إنقاذ الاقتصاد العالمي إبّان الأزمة المالية، ولولا قيام هذه الصناديق بضخ رؤوس أموال كبيرة في مفاصل اقتصادات الولايات المتحدة تحديداً وأوروبا، في صفقات شراء ومشاركة، لكان العالم قد غرق فعلاً بعد أن أعيت الحيل سماسرة الغرب وخبراءه الاقتصاديين.

ورغم تلك الأصوات النشاز التي تخرج في تلك الدول، والمحذرة من المخاطر الجيوسياسية لصفقات واستثمارات هذه الصناديق، إلا أنّ الواقع يؤكد مقدار الثقل الكبير لها، وأنها كانت طوق النجاة الذي لولاه لربما رأينا مأساة إفلاس اليونان وقبرص تكتسح دول غرب أوروبا قاطبة، وقد تعبر المحيط الأطلسي لترسو على موانئ نيويورك وأخواتها!

إنّ بلادنا، ولله الحمد، مليئةٌ بقصص النجاح التي تستحق الإشادة، ولا تشرق شمس يومٍ إلا ونرى ترجمان العمل المضني لدولتنا، إنجازاً أو تفوقاً يُقارع دولاً سبقتنا في تأسيسها بمئات السنين. ولم يكن ذلك ليتأتى لولا سلامة الغرس، وصدق النية، وصلابة العزم، وحسن التخطيط.. فبارك الله في زرعك يا زايد، وبوركت أياديك البيضاء يا خليفة الخير، وما زال للإمارات والأمجاد قصة طويلة معاً، ما زالت في بداياتها بإذن الله تعالى وتوفيقه.