التظاهرات التي خرجت في الحادي والثلاثين من أغسطس المنصرم، في اثنتي عشرة محافظة عراقية في جنوب ووسط وشمال البلاد، احتجاجاً على الامتيازات والرواتب العالية التي يحظى بها أعضاء مجلس النواب والرئاسات الثلاث وأعضاء مجالس المحافظات والدرجات الخاصة، لم تأتِ من فراغ وإن جاءت متأخرة ومتأخرة جدا.

فبعد أن بلغ السيل الزبى ولم يعد لمزيد من اليأس مكان في النفوس التي امتلأت يأسا، بدأت بوادر نهوض شعبي لاستحصال الحقوق المنهوبة، بعد أن أثبتت المؤسسات القائمة عجزها عن ذلك، لأنها جزء من المشكلة التي تواجه العراق.

فالعراقيون تُحصد أرواحهم في كل مكان، وتُسرق أموالهم ولم يجدوا من ينصفهم على مدى السنوات العشر المنصرمة، بل وجدوا عكس ذلك.. فمن جاؤوا بهم إلى موقع التشريع وإلى مواقع صناعة القرار، هم في الحقيقة لب المشكلة.

لم يكن أحد يتوقع مع التغيير الذي حصل في العراق منذ عام 2003، أن يكون ذلك بداية لميلاد طبقة أرستقراطية نفعية ميزت نفسها دستوريا واجتماعيا واقتصاديا، وعزلت نفسها عن الشعب ومآسيه بما يسمى "الحصانة النيابية". فقد شرع النواب لأنفسهم امتيازات غير مشروعة، في ظروف تغيب فيها وعي الإنسان العراقي حين أتى بهم أكثر من مرة إلى قبة البرلمان، ليشرعوا ما يتفق مع مصالحهم والمصالح الضيقة للكتل السياسية التي يكنون لها الولاء.

فقد أقر النواب لأنفسهم في نهاية دورتهم الانتخابية التي تمتد أربع سنوات، راتباً تقاعدياً يعادل 80% من راتبهم الحالي البالغ 13 مليون دينار (8500 دولار)، بينما لا يتجاوز راتب الغالبية العظمى من المتقاعدين في عموم العراق، وبعد خدمة 20 عاماً، مبلغ 400 ألف دينار (260 دولارا تقريبا).

هذا إضافة إلى أنهم أقروا لأنفسهم امتيازات أخرى، تشمل بدلات حماية وبدل سكن وضمان صحي وجوازات سفر دبلوماسية لهم ولعوائلهم، وغيرها من الامتيازات في سابقة غير موجودة في أكثر دول العالم فسادا.

انطلقت التظاهرات تلبية للدعوة التي أطلقتها اللجنة التنسيقية المشكلة من منظمات المجتمع المدني، وكانت سلمية في سلوكيات المتظاهرين وغير استفزازية في الشعارات التي رفعت، بناء على توصية اللجنة التنسيقية التي حرصت على تلافي أي احتكاك مع الأجهزة الأمنية.

وطالبت الأحزاب والكتل والتيارات السياسية وقادتها الذين يتعاطفون مع مطالب التظاهرة ويعتزمون المشاركة فيها، بالالتزام بالشعارات المرفوعة وعدم رفع أية شعارات حزبية أو فئوية تعمل على حرف التظاهرة عن أهدافها وتضفي عليها هوية معينة.

لكن ما حصل كان محبطا، فالمتظاهرون يمارسون حقا دستوريا والسلطات تنتهك الدستور وتقيم العوائق لمنعهم من التمتع بهذا الحق. فالقوات الأمنية أغلقت منذ مساء الثلاثين من أغسطس، جميع الطرق المؤدية إلى ساحة الفردوس مكان التجمع والانطلاق في العاصمة بغداد، واستخدمت مختلف وسائل القمع لمنع المتظاهرين من الوصول إليه.

وتعدى ذلك كثيرا في محافظة ذي قار، حين عمدت الشرطة إلى التصدي للتظاهرة باستخدام القنابل المسيلة للدموع، ثم الرصاص الحي ليسقط عدد من الجرحى. والطريف في الموضوع أن وسائل الإعلام نقلت أن رئيس الوزراء نوري المالكي يؤيد المتظاهرين في مطالبهم، ونقلت لاحقا أن مجلس الوزراء قد أعد مسودة قانون جديد للتقاعد لجميع موظفي الدولة والقطاع الخاص، يتضمن تعديلات على قانون الرواتب التقاعدية للبرلمانيين.

وهو موقف لم يكن أمام رئيس الوزراء سوى الأخذ به، ليس من منطلق القناعة بما في الوضع القائم من عيوب مسكوت عليها سنين وسنين، وإنما كجزء من الديكور الذي يُعد في المسرح الخاص به وبكتلته النيابية لخوض الانتخابات البرلمانية القريبة، بعد أن وصلت درجة النفور من سياساته حدا كبيرا لا بد أنه قد استشعر خطورته.

ثمة أمران يستحقان تسليط الضوء عليهما والتوقف عندهما، الأول هو الرصانة التي تميزت بها لجنة التنسيق للتظاهرات، التي تولت إعداد اللوجستيات وهيأت الأجواء الفكرية، سواء في مرحلة التهيئة والإعداد أو في مرحلة التنفيذ.

فقد حرصت خلال المرحلة الأولى على عرض موضوع التظاهرة للجمهور عبر وسائل الإعلام المتاحة لها، وإشراك معظم شرائح المجتمع العراقي في الحوار حوله، ومن ضمنهم عدد من النواب الذين أعربوا صراحة عن استعدادهم للتصويت لإلغاء امتيازاتهم، في حال إعداد لائحة جديدة تعرض للتصويت.

وحرصت اللجنة كذلك على أن يكون للمرجعيات الدينية ما تقوله، كما أكدت أن تكون المطالب وطنية تخص جميع العراقيين، وأن لا يرتبط أي منها بحزب أو كتلة، بغية تجريد السلطات الأمنية من أي مبرر للتدخل بحجة خروج التظاهرة عن أهدافها أو وجود مندسين في صفوفها.

أما الأمر الثاني فيستحق الأسف والرثاء في الوقت نفسه، فموقف السلطة من التظاهرة كان متخوفا ومتوجسا وعدائيا بكل ما تعنيه الكلمة، ولا ندري إن كانت القيادات في السلطة التنفيذية تحترم الدستور الذي أسهمت في صياغته، والذي جاءت إلى مواقعها الحالية وفق آلياته، أم نسيت أنه يكفل حق المواطن في التعبير عن رأيه بجميع الوسائل بما فيها التظاهر. ولا ندري إن كانت هذه القيادات قد نسيت سنوات الكبت والحرمان التي عانى منها الشعب طيلة عقود من السنين.

حينما كانت جزءا منه. هذه ليست المرة الأولى التي تنتهك فيها السلطات الدستور وتقمع التظاهر وتستبيح الاعتصامات، وتعيد إنتاج ما كان يجري على مر الزمن في الدولة العراقية في جميع العهود، ملكية أو جمهورية، وهو وضع الأجهزة الأمنية في مواجهة مباشرة مع الشعب، وإدامة مشاعر العداء والكراهية بينهما.

سلطت هذه الحملة الشعبية الأنظار على المجلس النيابي ووضعته في مرمى النار، إلا أننا نرجو أن لا يكون ذلك جزءا من حملة لإسقاط المجلس الذي دخل في خلافات شديدة مع السلطة التنفيذية، التي تتحمل هي الأخرى قسطا كبيرا من مسؤولية سوء الأوضاع في العراق. وإنما نأمل أن يكون هذا التحرك بداية حملة وطنية لحماية العراق وحماية ثرواته، تقوم بها منظمات المجتمع المدني، وتشمل جميع القطاعات وتتناول جميع السلبيات، وليس ما يتعلق بالمجلس النيابي وحده.