أثناء الجلسة الثالثة من جولة التفاوض الجارية على المسار الفلسطيني، طالب الفلسطينيون بحضور المبعوث الأميركي مارتن إنديك داخل القاعة. وفي غضون الجدل حول هذا المطلب، تبين أن ممثل مقام الرئاسة الأميركية إلى المفاوضات، غير مسموح له إسرائيليا بممارسة مهمته السامية سوى عن بعد؛ عبر المكالمات الهاتفية.
كما اتضح أن الفلسطينيين سعوا، دون جدوى أيضا، إلى استدعاء شركاء الولايات المتحدة في اللجنة الدولية الرباعية؛ روسيا والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة.
من المفترض أنه لا توجد مفاجأة في هذا الخصوص، فنحن والذين أضنتهم متابعة ملفات التفاوض العربية الإسرائيلية، نعلم مدى حرص إسرائيل على مبدئها القديم المتجدد في التفاوض المباشر.. ا
لذي ظل لأكثر من ستين عاما أحد ثوابتها في التعامل على كافة المسارات التفاوضية، وجرى الاستعصام به أكثر فأكثر غداة حرب 1967. غير أن الملاحظ هو حدوث ما يشبه الخلاف بين المسؤولين الإسرائيليين حول قضية إشراك الرباعية بالذات، إذ إن تسيبي ليفني، حاملة ملف الجولة التفاوضية الجارية، لم تعترض على هذا المطلب.
ولا رأت في الاستجابة له ما يضر بمصلحة إسرائيل وموقفها. لكن الرفض القاطع جاء من لدن رئيسها ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وكأنه يريد أن يؤكد مجددا وللمرة الألف، دور المفاوض الأول عن إسرائيل والحارس الأكبر لثوابتها وتقاليدها التفاوضية.
والمدهش أن واشنطن عززت بدورها موقف نتنياهو، فهي لم تتأفف أو تغضب لإبقاء موفدها خارج غرف المفاوضات، كما تحفظت بدورها على حضور الرباعية.
نفهم من ذلك أن ليفني وطاقمها ليسوا طليقي الأيدي، ولاهم مفوضون بالكامل في معالجة الملف الذي يحملونه. نتنياهو هو العنوان الصحيح لمن أراد معرفة المواقف الإسرائيلية القابلة للتداول، كما أن واشنطن تبدو كمن وضع خاتمه على هذا العنوان.
وإذا كانت إسرائيل تتأذى من الحضور الكامل لشريكها الأميركي الصدوق؛ الداعي لهذه المفاوضات والراعي الحقيقي لها من أول يوم؛ المؤتمن على حمايتها كدولة من كل سوء، فليس لأحد أن ينتظر رضاها عن مثل هذا الدور من زملائها الألداء في الرباعية.
فالروس أساسا والأوروبيون نسبيا، متهمون عندها بالتعاطف مع الفلسطينيين. أما الترحيب بالأمم المتحدة فيعني استحضار الممثل الأول لحقائق القوانين والقرارات الدولية وشرعة الأمم المتحضرة، التي نعلم أن إسرائيل قد تنخسف بها الأرض قبل أن تخضع لها بشأن التسوية الفلسطينية.
من خبراتهم التفاوضية المتراكمة، لا بد وأن الفلسطينيين كانوا على دراية بهذه المعطيات. ورغم ذلك فقد اشترطوا استحضار أطراف ثالثة، ولا سيما العراب الأميركي، بين يدى الجولة التفاوضية الراهنة. ولو استجيب لشرطهم هذا، لسجلوا سابقة في كسر واحد من ثوابت إسرائيل، وهو التفاوض بمعزل عن الوساطات المباشرة.
على أن ما يثير الحفيظة ويغيظ الحليم في هذا السياق، هو استخذاء الرباعية الدولية بالذات وإذعانها أمام الصلف الإسرائيلي.. فالراعي الأميركي لا يضيره الاستبعاد الشكلي عما يجري بين الإسرائيليين والفلسطينيين، لعلمه يقينا بأن المفاوضات مهما حلقت بعيدا فإنها لن تغادر عباءته، وهو يعلم مستقرها ومستودعها، وأن عاقبتها ستعود إليه وحصادها سيقع في رحله.
لكن ماذا عن الرباعية؟ هذه الآلية التي ابتدعت أصلا كي يتم تجاوز عقبتي الاستفراد الإسرائيلي بالفلسطينيين والهيمنة الأميركية على عملية التسوية برمتها.. ما هو دور الرباعية ومتى يحين أوان هذا الدور؟ لماذا اختفى ممثلها اللوذعي تونى بلير، فلا يسمع أحد له حسا ولا رأيا؟..
لقد كان الأحرى بالاهتمام والأوفق منطقيا، أن تظهر بركات هذه الآلية؛ الممثلة لكبار الفواعل الدوليين، في هذا التوقيت وهذه المناسبة. بيد أن الحاصل بالفعل هو إيابها إلى الاعتكاف والارتضاء بموقع شاهد الزور، بحسب الإرادة الإسرائيلية.
وهذا يعني أننا بصدد آلية معطلة، عاجزة عن تحقيق أهدافها، فلا هي منعت إسرائيل من التغول على الفلسطينيين في ظل موازين قوى مختلة لصالحها، ولا هي أزالت الاعتقاد بأن واشنطن هي صاحبة اليد العليا في تقرير مسار التسوية ومصيرها.
من حق المفاوض الفلسطيني أن يغضب جراء غياب الوساطة الناجزة الفاعلة، وانتهاك أحد بنود التفاهمات التي خاض على أساسها هذه الجولة.. وعما قريب سيغضب أكثر، حين يبحث عن شهود عدول شجعان، يضعون أصابعهم في عين الطرف الذي أطاح بجهود التسوية وعطل المراكب السائرة، فلا يجد.