يبدو "التحالف الوطني"، أكبر الكتل في مجلس النواب العراقي والذي يتزعم العملية السياسية في العراق، مفكك الأوصال على أبواب الانتخابات النيابية المقبلة في مارس/ آذار 2014، وقياديوه لا يخفون تخوفهم من خسارة ما حققوه على مدى الثماني سنوات المنصرمة، من مكاسب سياسية ومكاسب أخرى غير سياسية. ف
الخلافات التي تعصف بالكتل المنضوية تحت لوائه كثيرة ومتشعبة، إلا أن قياداته تحرص على الإبقاء على هذا التحالف متماسكا، في الظاهر على الأقل، عشية الانتخابات، باعتبار ذلك ضمانا للبقاء في سدة الحكم، على أسس الاصطفاف الضيق الذي سار عليه هذا الائتلاف في الانتخابات السابقة .
وفي تلك التي سبقتها وحقق فيهما النجاح. لكن هناك بعض المتغيرات التي طرأت على العلاقات بين الكتل داخل هذا التحالف، ربما تعيق تحقيق هذا الهدف، فالطريق نحو ذلك لم يعد سالكا كما كان الحال. فهناك رؤيتان رئيسيتان مختلفتان لمستقبل العملية السياسية داخل هذا التحالف، أولاهما الإبقاء على المالكي وكتلة "دولة القانون" في صدارة المشهد، والأخرى لديها من الأسباب ما يدفعها لرفض ذلك بشدة، خاصة أن المالكي وكتلته قد أخذا فرصتهما وسجلا فشلا ذريعا على مختلف المستويات، وأسهما في تعقيد المشهد السياسي العراقي وأوصلا العراق أكثر من مرة إلى حافة الهاوية.
طالما كانت المواقف التي تتخذها كتلة الأحرار والتصريحات التي تصدر عن قيادتها، ملفتة للأنظار في الوسط السياسي العراقي، الشعبي بشكل خاص. وكان آخر ما صدر عن هذه الكتلة من إثارة، هو إعلان زعيمها مقتدى الصدر اعتزال عالم السياسة، وهو خبر قوبل بالأسف من معظم زعماء الكتل السياسية باستثناء زعيم دولة القانون، إلا أن الصدر عاد في موقف لا يخلو هو الآخر من إثارة، وعدل عن قراره.
دولة القانون التي يتزعمها رئيس الوزراء المالكي، تعتبر كتلة الأحرار هي الأكثر خطرا على مستقبلها، بعد التراجع الذي سجلته في انتخابات مجالس المحافظات الأخيرة مقابل صعود كتلة الأحرار.
من جانب آخر، فإن تقارب هذه الكتلة مع "كتلة المواطن" بزعامة عمار الحكيم، التي سجلت هي الأخرى صعودا ملموسا في انتخابات مجالس المحافظات، وكتلة الفضيلة بزعامة عمار طعمة، يضاعف من قلق دولة القانون في ضوء توافر أجواء تسمح برسم خرائط انتخابية جديدة. فتقارب هذه الكتل الثلاث أو تحالفها معا أو مع أطراف أخرى خارج التحالف الوطني، هي احتمالات واردة إلا أن فرص نجاحها تعتمد إلى حد كبير على مدى استقلالية هذه الكتل في تقرير مساراتها الاستراتيجية، بعيدا عن أجندة طهران وأجندة واشنطن.
ولا يفوت الراصد للشأن العراقي ملاحظة ما تتخذه دولة القانون من إجراءات للتضييق على كتلة الأحرار، بهدف إضعافها وإخراجها من العملية السياسية. هذه الإجراءات يمكن تلخيصها في ثلاثة محاور: أولها النيل من رموز الكتلة ومن زعيمها بشكل خاص، وثانيها دعم عصائب أهل الحق المنشقة عن الكتلة والتي دخلت في صراع معها لم يخل من صدامات دموية، أما ثالثها فهو الضغط على إيران لتقليص دعمها لهذه الكتلة، لصالح عصائب أهل الحق.
في أجواء التحضير للانتخابات النيابية المقبلة، تتهيأ مختلف الكتل لذلك في مسعى للبقاء في العملية السياسية أو لزيادة حظوظها فيها. وقد بدأت كما هو معتاد، بوضع مساحيق التجميل على برامجها وخططها ومرشحيها المحتملين، كما فعلت أكثر من مرة في الانتخابات السابقة. ولكن ذلك ليس سوى تكريس روتيني للوضع الراكد، إذ لم تظهر على المسرح السياسي بوادر إرهاصات تلفت النظر لطروحات جدية تتناول البرامج أو المواقف، وتعيد بعضا من الثقة المفقودة بهذه الكتلة أو تلك، خاصة أن الوضع في العراق يتطلب في الحقيقة أكثر من مجرد إرهاصات.
إن تجربة عشر سنوات منذ احتلال العراق وبدء العملية السياسية الجديدة فيه، بكل ما رافقها من سلبيات وسوء إدارة وفساد، لم تنجح في تهيئة الأوضاع لميلاد قيادات جديدة تستطيع مواجهة التحديات الكبيرة التي تواجه العراق، وأبرزها ما يحيق بوحدته الوطنية من مخاطر، إلا أنها من جانب آخر كشفت، بما لا يقبل الشك، أن الأطر الفكرية لقيادات الكتل المشتركة في العملية السياسية.
لا تتفق مع مواصفات وخصائص الأطر الفكرية للقيادات التي يحتاج العراق لوجودها في ساحة المعركة الانتخابية في هذه المرحلة. فالعراق في أمس الحاجة للخروج من المحنة التي هو فيها، إلى قيادات تمتلك رؤى وأطرا فكرية نهضوية، تتطلع بثقة نحو المستقبل ولا تتمسك بتلابيب الماضي وتوظف أوهامه وأساطيره لتضليل الناخب خدمة لمصالحها. إن فرص التغيير متاحة للمواطن العراقي مرة كل أربع سنوات.
وأمامه الآن مساران ليس غير، فإما أن يقوم بإعادة إنتاج العملية السياسية ببرامجها التقليدية ورموزها وشخوصها وأساليب عملها الإقصائية التهميشية وبما جناه منها على مدى السنوات المنصرمة، وهو مسار عبثي لا يتفق مع أسس البناء الديمقراطي الحقيقي، الذي يفترض أن يؤتى بمن هو أصلح لقيادة البلد ويعزز الشرعية التي يحصل عليها في صناديق الاقتراع بشرعية الإنجاز وشرعية الكفاءة والنزاهة والوطنية.
أما المسار الثاني فهو الانطلاق من المسؤولية الوطنية والأخلاقية، مسؤولية الدفاع عن النفس وعن الوطن ورفض ما هو قائم، والعمل على إحالة معظم سكنة المنطقة الخضراء إلى التقاعد، لضمان راحتهم ولإراحة الشعب العراقي الذي أصبح ربعه يقبع تحت مستوى خط الفقر، في الوقت الذي تجاوزت فيه الميزانية السنوية للعراق حاجز 100 مليار دولار.
المسار الثاني يهيئ الأجواء لميلاد قيادات جديدة تستطيع استيعاب طموحات الجمهور الواسع، المحبط من أداء الوجوه السياسية التي تُحصن نفسها في المنطقة الخضراء، والتي لا أحد يختلف مع أحد حول بؤس ما قدمته وحول ضخامة ما جنته وحول سعة ما أفسدته.
فرص المسار الثاني لا تتعزز من تلقاء نفسها، فالناخب قبل أن يحسم موقفه، بحاجة لأن يرى غير ما اعتاد رؤيته ويستمع لغير ما اعتاد الاستماع إليه. التغيير نحو الأفضل بحاجة إلى المثقف الواعي، ليلعب دوره في الحملة الانتخابية ويوظف فكره ويراعه، من أجل مساعدة الناخب على اختيار الأفضل له وللعراق.