هل تؤثر تلك الانتقادات الموجهة لنا، على تصميمنا على المضي قدماً في تنفيذ بعض من مشاريعنا المستقبلية الاقتصادية منها والثقافية والعمرانية؟ هل فعلاً بعض من تلك المشاريع الضخمة المزمع تنفيذها سوف تكون له تأثيرات سلبية على مجتمعنا كالتأثيرات الاجتماعية والحضرية والبيئية مثلاً؟

وإذا نجحنا الآن في التصدي لها، فهل تنجح الأجيال القادمة؟ هل تعين قدرتنا الآن على تنفيذ بعض من المشاريع الكبرى على ضمان مستقبلنا الاقتصادي، بعيداً عن سيطرة أصحاب رؤوس الأموال المستوردة وأصحاب الأفكار الجاهزة والمطبقة في مناطق أخرى من العالم؟

جزء كبير من خططنا التوسعية هو ضمان لمستقبل الأجيال القادمة، فهل تتفق معنا في أهميتها؟ هل نبالغ أحياناً في احتياجاتنا المستقبلية على حساب حاجاتنا الآنية؟ هل نستطيع الاعتماد على أنفسنا وعلى أجيالنا الجديدة في تنفيذ مشاريع كبرى أو خطط توسعية ضخمة دون الحاجة للاعتماد على الآخرين وطاقاتهم وأفكارهم؟

أسئلة كهذه تدور في أذهاننا، وربما في أذهان الكثير من المراقبين لتجربتنا الحضرية والحضارية. الكثير منا يتابع بصورة يومية رفع الستار عن مشاريع عمرانية مذهلة، وثقافية متميزة، واقتصادية مربحة، معظمها من صنع أيدينا ومن أفكار جادت بها قرائحنا، ومطابقة لظروفنا وأنماط نمونا المجتمعي.

خطط كثيرة ومذهلة تابعها العالم معنا وهو يحبس أنفاسه ويترقب نتائج تلك الخطط والمشاريع وتأثيرها، ليس فقط على مجتمعنا الصغير واحتياجاته، ولكن على جوارنا وعلى العالم بأسره. فما يميز مشاريعنا وخططنا أنها عالمية الهوى، محلية الهوية، أي أن هدفها ليس فقط خدمة لاحتياجات مجتمعنا الصغير، بل وتلبية للاحتياجات المتزايدة للمجتمع العالمي من حولنا.

أساليب إدارية وأخرى مهنية طبقناها، ميزتنا عن غيرنا وجعلت بلدنا الصغير ينافس بلداناً كبيرة في معايير الجودة والتميز في كل شيء، بدءاً من المطارات التي تعد واجهة البلد، مروراً بالتاكسي الذي يمتطيه الزائر للوصول إلى مقر إقامته، وانتهاءً بتجربته الشخصية في التعامل مع مختلف الإدارات في كل الإمارات. فالجودة والتميز والابتكار والإبداع، هي جميعها أهداف وضعت لها معايير تضمن تنفيذها وحسن تطبيقها.

وعلى الرغم من أننا دائماً نخطط لحاضرنا ونضع نصب أعيننا مستقبلنا، إلا أن بعضاً من خططنا، خاصة طويلة الأجل، جلب لنا بعض النقد. فليس كل ما يروق لنا يروق للآخرين، وليس كل ما يعتقد الآخر أنه جيد لنا نراه نحن كذلك. بالإضافة إلى ذلك، هناك من يترصد خطانا داخلياً وخارجياً،.

وهناك من ينتقدنا رغبة في وصولنا إلى الأفضل والأحسن، وهناك من ينتقدنا رغبة في النقد فقط ودون تقديم أي اقتراحات بناءة أو نصائح قابلة للتطبيق. هناك من يراقب ويترصد ويحلل النتائج، يبرز الإيجابي ويحاول إيجاد الحلول للسلبي، وهناك من يضخم السلبي فقط مركزاً نقده على كل شيء يطاله فكره وقلمه.

لا نحب القول إننا مستهدفون، ولكن أثبت الوقت أننا كذلك. لقد استهدفنا لأننا أردنا أن نكون مختلفين، وأن نكون "نحن" وليس نسخة من غيرنا. مشاريع كثيرة كانت موضع شكوك الآخر في جدواها الاقتصادية وطرق تنفيذها وسبل الاستفادة منها وأهميتها، ولكن وبمرور الوقت أثبتت نجاحها ومردودها المادي والمجتمعي، بدءاً من "مترو دبي"، مروراً بالجزر الاصطناعية المشيدة في البحر، وانتهاءً بالأبراج السكنية العالية والتي كانت تثير الشكوك حول جدواها الاقتصادية.

أسئلة كثيرة كهذه أثيرت إبان انفجار الفقاعة الاقتصادية، عن احتمالية بقاء تلك الأبراج فارغة وانهيار الاقتصاد والهجرة المعاكسة، جميعها ثبت أنها مجرد مخاوف لم تكن حقيقية، وربما تمنيات سلبية من قبل بعض ممن لا يريدون أن يرونا ناجحين أو محققين لمشاريع كبرى عجزوا هم عنها.

ربما سر نجاح مشاريع وخطط الإمارات، يكمن في أن فيها بعداً إنسانياً غير موجود عند الآخرين. مرات عديدة سمعنا، ومن مسؤولين كبار، أن عملهم هو سر سعادتهم وأن سعادتهم نابعة من سعادة ورفاهية المواطنين والمقيمين في هذا البلد.

وهذا أدى إلى أن يكون هدفاً مهماً لتلك المشاريع، تطبيقاً لتلك المقولة وتحويلها إلى حقيقة واقعة، والواقع يشهد بذلك. بلدان كثيرة تمتلك من الإمكانيات الضخمة ما يؤهلها لأن تقيم مشاريع أكبر من تلك الموجودة عندنا، ولربما هذه البلدان لم تفعل ذلك لعدم توفر هذا البعد.

المقدرة على تحدي الصعاب ربما تكون أفضل ميزة لدينا، وهي ميزة ورثناها عن آبائنا وأجدادنا، ونأمل في توريثها لأجيالنا الجديدة الذين سوف يتذكرون دوماً أن أجدادهم تحدوا البحر وأهواله وأخرجوا منه جواهر نادرة كانت رزقاً لهم ولأسرهم، وسوف تتذكر هذه الأجيال مستقبلاً آباءها الذين حرثوا البحر وأخرجوا منه جزراً اصطناعية غيرت وجه العالم.

ولربما تقارن الأجيال الجديدة بين سبل تعاطيها مع البحر وسبل تعاطي من قبلها. فالعلاقة بين إنسان هذه المنطقة والبحر سوف تبقى خالدة في تراثنا الفكري إلى الأبد، فلا غرو أن تتفاعل هذه العلاقة مع ظروف الوقت والزمان.

إن الناظر إلى الإمارات اليوم يرى تاريخاً يكتب، ولكن ليس فقط في صورة مشاريع تقام وصروح تشيد وخطط اقتصادية وتنموية تنفذ، وإنما أيضاً في صورة أبعاد إنسانية تبني وتربط ثقافات العالم عبر جسور وصلات توثق.

فإذا كانت الإمارات في نظر الآخر هي صروح ومشاريع ورؤية مستقبلية جيدة واستفادة من الإمكانيات المادية المتاحة، فإن الإمارات في نظرنا هي بعد إنساني ومشاعر دافئة تتدفق إلى كل بقاع العالم لنجدة الملهوف والضعيف والمحتاج.