شهدنا في الأسابيع الأخيرة هزيمة كبيرة لاستراتيجية الأمن الوطني في العراق، فقد تدهورت الأوضاع فيه بشكل غير مسبوق، بعدما تواصلت التفجيرات والاغتيالات والتهجير من مناطق معينة في بعض المحافظات، وتردى الوضع الأمني أكثر مما كان عليه في أي وقت منذ الاحتلال، وكأن من يقوم بكل ذلك مطلق اليد وحر الحركة.
ووصل الفشل والانهيار للمؤسسة الأمنية قمته في عملية الهروب الكبير للمئات من قيادات تنظيم القاعدة، من سجني أبوغريب والتاجي، التي نفذتها قوات مسلحة ومدربة من تنظيم القاعدة تفوقت على القدرات الحكومية، ليدفع الحكومة المرتعدة الأوصال إلى تعزيز دفاعاتها عن المنطقة الخضراء، بحجة أن هناك تهديدات باقتحامها.
الهروب الكبير من السجنين حدث كبير جدا، قد يغري إحدى شركات هوليوود السينمائية لإنتاج فيلم عن ذلك، كما أنتجت فيلما بالعنوان نفسه عن هروب عدد كبير من أسرى الحرب من أحد المعتقلات النازية في الحرب العالمية الثانية، وحشدت فيه مجموعة من أبرز نجوم هوليوود.
عاد العراق لحقبة الحرب الأهلية في عامي 2006 2007، فقد حصد شهر رمضان وحده ما يزيد على ألف قتيل وأضعاف هؤلاء من الجرحى في مدن الوسط والجنوب، ولم يهنأ العراقيون بالعيد الذي اختتم بتفجير عدد من السيارات المفخخة في يومه الثالث.
وقد دفع اليأس من قدرة الدولة على حماية حياة الناس، مجلس محافظة كركوك التي تعرضت مؤخرا لانفجار ثلاث سيارات مفخخة، إلى اتخاذ قرار بالإجماع يقضي بحفر خندق يحيط بمدينة كركوك، وبدأت تنفيذه لحمايتها ومنع الإرهابيين من إدخال سيارات مفخخة أو مسروقة أو غير مجازة. وهي خطوة أثارت خلافات إضافية بين عرب وكرد المحافظة، إذ تحفظ العرب عليها لأنها تهدف لتحقيق أغراض سياسية وقد تكون خطوة نحو إلحاق المدينة بإقليم كردستان.
في سياق هذه الأحداث تضاربت المواقف في تقييم ما يجري من عنف، بين من يتحدث عن "انهيار أمني" وبين من ينفي ذلك ويتحفظ على استخدام هذا المصطلح، وقد وجدنا أن من المهم التوقف عند تصريح رئيس الوزراء نوري المالكي حول ذلك. فقد أكد في الثاني من أغسطس الجاري، في حديث مع عدد من القادة الأمنيين والعسكريين، أن الانتكاسات الأمنية الأخيرة في البلاد لا ترقى إلى مستوى "الانهيار"، محذرًا دولا مجاورة "تخرب" في العراق والمنطقة، من أن "الدور قادم" إليها.
لسنا بصدد التعرض لمصداقية ما يصدر عن الحكومة، وربما يشاركني الرأي كثر وكثر جدا في العراق، في أن الصدق والشفافية بعيدان جدا عن أروقة الحكومة وفرسانها، فما يصدر عنها وعنهم ليس سوى تبريرات وتضليل للشارع العراقي، لأنها وأنهم لا يمتلكون الكفاءة لتقديم الحلول الناجعة للمشاكل التي تسببوا في غرسها بأجندتهم التي لا تنتمي إلى العراق، ولا يمتلكون في الوقت نفسه الشجاعة للاعتراف بذلك.
لن نتعب أنفسنا في جدل عقيم حول معايير الحكم على النظام الأمني وعلى مدى قربه أو بعده من حافة الانهيار، ونترك ذلك للمختصين بالشأن الأمني الذين لهم معاييرهم للحكم على ذلك. لكننا من جانب آخر نرى أن الحكم على ما يجري في العراق في منتهى السهولة، ولا يحتاج إلى جهابذة للإفتاء بشأنه، فهو فشل سياسي من الدرجة الأولى، برنامجا ومنهجا وأسلوبا وساسة.
والفشل السياسي يعني فشلا على جميع الصعد ومنها الصعيد الأمني. إلا أن رئيس الوزراء لا يريد اعتباره كذلك، رغم أن قادة كتل سياسية وحلفاء هامين له ضمن التحالف الوطني لا يتفقون معه في هذا التخريج، لأنه يريد أن يبرئ سياسته ويلقي تبعات ذلك على دول مجاورة.
وقد سبق له في لقاء عقده مع مجموعة من النخب السياسية والاقتصادية، توزيع عدد من التهم بقدر محاور فشل حكومته، على الكتل السياسية المتحالفة معه، ومنها كتلة المواطن بزعامة عمار الحكيم وكتلة الأحرار بزعامة مقتدى الصدر، واتهم بعض الأعضاء في وزارته، خاصة نائبه لشؤون الطاقة حسين الشهرستاني، ملقياً عليهم تبعات التردي الأمني والفشل في تحسين وضع الخدمات، وكأنه وهو رئيس الوزراء المسؤول الأول في الدولة، لا يتحمل أية مسؤولية عن التفريط في مصالح الشعب ومقدراته.
فهو حين يتهم دولا مجاورة بالعمل على دعم النشاط الإرهابي في العراق، يضع نفسه في موقف حرج، إذ عليه كشف أسماء هذه الدول وأن يقدم الأدلة على ذلك، ويكشف للشعب العراقي عن الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لمواجهة هذه الدول. فمن حق الشعب العراقي أن يتعرف على أعدائه الحقيقيين، وليس من حق الحكومة تضليله وحجب الحقائق عنه وتركه في متاهة. فحجم الخراب الذي يحيق بالعراق، كبير إلى درجة لا تسمح بمراعاة أي اعتبار للتستر على من يقف وراءه.
من جانب آخر، وهو أمر على درجة كبيرة من الأهمية، إذا كان حقا ما يقوله، ويمتلك الأدلة الجرمية على تورط دول مجاورة للعراق في ذلك، فإن من واجبه وطنيا وأخلاقيا أن يرفع قضية على هذه الدول، لعرضها على مجلس الأمن الدولي. فهو بذلك لا يقدم دليلا لمصداقيته فحسب ولا يقدم خدمة للعراق وحده، وإنما للأسرة الدولية كلها التي أصبح الإرهاب عدوها الأول.
وإذا أردنا أن نوجه إصبع الاتهام لمن وقف ويقف وراء كل الرزايا التي دمرت حياة الشعب العراقي على مدى السنوات المنصرمة، ونشرت فيه بذور الفرقة المذهبية والإقصاء والتهميش، وزرعت الفساد وتغاضت عن السرقات والتزوير، وشجعت المليشيات وهيأت الأجواء لتصفية الكفاءات العراقية، لما وجدنا سوى المنطقة الخضراء وما تضمه من مؤسسات، إذ ليس من المقبول عقليا أن يجري تنفيذ هذه العمليات الإرهابية، دون دعم وتعاون مع جهات داخل مؤسسات الدولة العراقية، وداخل المؤسسة الأمنية بشكل خاص.
الوضع في العراق أصبح مخيفاً، ومعالجته لا تبدأ من الملف الأمني فذلك مضيعة للوقت، وليس هناك حل سوى تصفح الملف السياسي، للعثور على النتوءات فيه، وذلك أمر سهل لأنها تُرى وتُلمس.