مع استمرار الإخوان المتأسلمين وبعض المنتفعين معهم في اعتصامهم "السلمي" في تقاطع رابعة العدوية وميدان نهضة مصر، يبرز يوما بعد يوم العديد من الأسئلة المشروعة حول طبيعة هذا الاعتصام وخفاياه وأسراره، ولن أستغرب إذا بقينا على مدار سنوات قادمة نتداول قصصا وحكايات جديدة حوله، خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار الطبيعة المتحركة للمشاركين فيه، والذين لا يكفي لتبريرهم التذرع بأنهم تابوا (هل التوبة مرتبطة بالموقف من مرسي؟) والاستخدامات السياسية لما لا يجوز استخدامه، كالأطفال والأعراض والدين وأمان الناس وسلام بيوتهم.

وسنبدأ من الأرقام، فالإخوان لم يثبتوا على رقم منذ البداية، فقد كانوا يتحدثون عن 3 ملايين، خفضوها إلى مليون، ثم اختفت الأرقام لصالح عبارات فضفاضة مثل "ملايين"، تغطيها سخرية متعمدة من فكرة وجود 35 مليونا في ميدان التحرير (والواقع أن الـ35 مليون كانوا في جميع المدن المصرية).

على كل، لنكن واقعيين، فالتقديرات العلمية تشير إلى أن المنطقة من إشارة رابعة وتفرعاتها وصولا لدار الحرس الجمهوري، لا تتسع لأكثر من 800 ألف على أوسع تقدير، مما يرجح أن الأعداد المتواجدة بشكل دائم في تجمع إشارة رابعة، هي بحدود 100 ألف تنخفض أحيانا إلى 50 ألفا هم متظاهرو المحافظات والمشاركون بمقابل.

ولو جمعنا معهم من يفعلون الشيء نفسه في ميدان نهضة مصر ومدن أخرى، لنا أن نتوقع عددا يكاد يقترب من المليون نسمة في عموم الأراضي المصرية.. وهذا الذي يريدون أن يقنعونا أنه العدد الذي يمثل "ثورة الشعب المصري على الانقلاب العسكري"، الذي لبى طلب 35 مليون مصري!

التساؤل الثاني حول نوعية المشاركين. البعض يعتقد أن كل المشاركين هم من "الإخوان" أو التنظيمات المنبثقة منهم، مثل جماعة حازم أبو إسماعيل، وحزب البناء وغيرهما.. لكن هؤلاء ليسوا سوى جزء من المجموع، وهم لا يكادون يكملون نصف العدد.

البقية يتوزعون على متكسبين يأتون مقابل مبلغ يومي، وخاصة العاطلين عن العمل الذين يجدون في الاعتصام موسما للتكسب، يضاف إليهم البلطجية والمسجلون "خطر"، الذين ترتفع مياومتهم إلى قرابة 3500 جنيه في اليوم. ويدافع الإخوان عن مشاركة هؤلاء بالادعاء أنهم تابوا، بينما لا يبدو عليهم من علامات التوبة شيء، سوى المشاركة في اعتصام مؤيد لمرسي. هل هذا هو التعريف الجديد للتوبة؟

لكنني سأتوقف عند فئة خاصة من المشاركين، وهم القادمون من المحافظات، كالشرقية والغربية وحتى محافظات الصعيد، فهؤلاء في الغالب لا يشاركون في اعتصامات محافظاتهم لأنها مجانية لهم، لذلك يأتون لتكثير اعتصام القاهرة والتكسب، حيث يحصلون على 300-350 جنيها لكل فرد يوميا، حسبما إذا كانوا سيشترون طعامهم بأنفسهم أم يأكلون مما يقدمه المنظمون، وهم في الغالب قادمون من الأرياف تغريهم فكرة الفسحة في القاهرة، ويبدو أن الكثيرين منهم يفرضون رأيهم على مشاركة زوجاتهم وأطفالهم، خاصة وأن من شروط الحصول على المقابل المالي ضمان استمرار الزوجة والأولاد في الاعتصام.

 ومع ذلك، يسجل أن أغلبية المنسحبين في الأيام الأخيرة هم من هؤلاء، لأن هدفهم كان الفسحة والحصول على الجنيهات، وليس التصادم مع الشرطة والموت دفاعا عن عودة مرسي للكرسي. لكن هذا كله يقودنا إلى السؤال الأهم: كم تنفق جماعة الإخوان على هذا الاعتصام؟

دعونا لتبسيط الحسابات، نركز على اعتصام رابعة لوحده، ونستفيد من حسبة أولية أجراها الإعلامي إبراهيم عيسى في برنامجه على قناة "القاهرة والناس" منتصف يوليو الماضي.

فالخمسون ألفا يقبضون في المتوسط 300 جنيه يوميا، أي 15 مليون جنيه في اليوم، أي 690 مليونا لمدة 46 يوما (3 ايام في يونيو وطوال شهر يوليو و12 يوما في أغسطس تاريخ كتابة هذا المقال)! أضف إلى ذلك خمسين جنيها يوميا للطعام والشراب (115 مليون جنيه لنفس المدة)!

هذا طبعا عداك عن ثمن الخيام، وثمن الرعاية الطبية الانتقائية، وثمن دورات المياه التي لا تعمل وصهاريج نقل مخلفاتها، وثمن استئجار المنصة وكلفة الكهرباء والبث المباشر (هذا لوحده 70 ألف جنيه يوميا، يعني 3.22 ملايين لنفس المدة).

وبالطبع لا ننسى كلفة استئجار قاعات مسجد رابعة العدوية، لأنه مسجد تابع لجمعية خيرية (ليست إخوانية) والقاعات تؤجر لمناسبات العزاء ولكنها الآن مستأجرة من الإخوان، بالإضافة إلى مجموعة من الشقق المفروشة (لم يعرف عددها)، مؤجرة لاستخدامات قيادات الإخوان وبعض الأعمال التنفيذية الخاصة بهم.

يا أعزائي، نحن نتحدث عن مبلغ تجاوز مليار جنيه، ونحن هنا متحفظون في التقديرات لأننا افترضنا أن جميع الخمسين ألفا يتسلمون 300 جنيه فقط، كما أننا لم نتحدث عن بقية اعتصاماتهم مثل نهضة مصر وتكاليف إدامة اعتصامات المحافظات! السؤال البسيط والمباشر هنا: من يدفع هذا المبلغ الطائل؟ وما هو هذا التنظيم الذي لديه الاستعداد لكي يدفع مثل هذا المبلغ الطائل وبفاتورة مفتوحة؟ فهم يقولون إنهم مستمرون في الاعتصام!

ترى، هل ما صرحت به منسقة شؤون اللاجئين السوريين في مصر قبل أيام عن اختفاء تبرعات جمعت باسم اللاجئين السوريين، وهل ما تردد من أكثر من جهة في السعودية والكويت والأردن خلال شهر رمضان، عن اختفاء تبرعات مماثلة وتحويلها إلى مصر.. هل هذا يمثل جزءا من الإجابة؟ أصدقكم القول: أتمنى أن لا يكون صحيحا حتى لا يفقد الناس البسطاء الثقة في الصدقة وعمل الخير، على مذبح عربدة الإخوان السياسية وتجارتهم بكل ما في ديننا الحنيف من رحمة وألفة وتراحم.

حمانا الله وحماكم من الإخوان وشرورهم..