ما تعرضت له الإعلامية الأميركية الشهيرة أوبرا وينفري في أحد المتاجر السويسرية هذا الأسبوع، هو مجرد النمط الخام للعنصرية البغيضة. فأوبرا صاحبة البلايين، طلبت، أثناء تسوقها في أحد المتاجر السويسرية، أن تعاين حقيبة يد معروضة في المتجر، فما كان من البائعة إلا أن رفضت طلبها مرتين "لأن الحقيبة باهظة الثمن"، وراحت تعرض على أوبرا حقائب أقل سعرا للمعاينة.

والبائعة التي لم تتعرف على أوبرا لم تر فيها، حين دخلت المتجر، عميلة مثل باقي العميلات، وإنما رأت فقط لون بشرتها واعتبرت أنه كاف تماما لتفترض أنها فقيرة، بل وليس من حقها معاينة إلا ما تقترحه عليها البائعة.

ورغم أن أوبرا بسبب شهرتها وشعبيتها الطاغية ربما لا تتعرض لمثل تلك المواقف في بلادها، إلا أن أميركا تشهد اليوم لا فقط عنصرية مماثلة لما واجهته أوبرا في زيورخ، وإنما تشهد محاولات حثيثة للتراجع عن مكتسبات أصحاب البشرة السوداء.

انظر مثلا لما تعرضت له مجلة "إيبوني" الأميركية الشهيرة، الأسبوع الماضي من حملة شرسة بسبب صور غلافها لعدد سبتمبر القادم. وإيبوني من أهم المجلات "السوداء" في أميركا، فهي منذ إنشائها عام 1945، تعتبر المجلة رقم واحد للأميركيين من أصول إفريقية، ولها جمهور كبير من غير السود.

وقد اهتمت إيبوني بقصة الفتى الأسود تريفون مارتن، الذي قتله أحد المتطوعين لمساعدة الشرطة حين ارتاب فيه، لأنه كان يمشي متسكعا في أحد الأحياء الراقية في طريق عودته للمنزل، وهو القاتل الذي برأته المحكمة لاحقا.

وقد استعدت المجلة لإطلاق عدد سبتمبر بأربعة أغلفة مختلفة، كلها تحمل صورا للفتى تريفون مارتن، تأكيدا على مركزية القضية لدى جمهورها الأساسي، وقد كتبت مع كل تلك الأغلفة عبارة واحدة هي "كلنا تريفون".

 وما إن تسربت تلك الأغلفة حتى شن اليمين الأميركي هجوما شديدا على المجلة، واتهمها بالتركيز على قضية قتل الفتى مارتن من جانب زيمرمان الأبيض، وإن كان أحد والديه من أصول لاتينية، بينما "تتجاهل أن أغلبية العنف الموجه ضد السود تكون بأيدي سود آخرين"، ودعت الحملة لمقاطعة المجلة. لكن رد فعل المجلة العريقة حمل قدرا من السخرية، لأن أنصار اليمين لا يشترون المجلة أصلا.

لكن الحملة على إيبوني وعلى تريفون مارتن، تمثل جزءا صغيرا من حملة أوسع يقودها اليمين الأميركي، وتهدف للعصف بكل المكتسبات التي انتزعتها حركة الحقوق المدنية انتزاعا للأميركيين من أصول إفريقية، بل وغيرهم من الأقليات بمن في ذلك المرأة بالمناسبة. وهي حملة تستخدم فيها كل الأساليب، بما في ذلك إعطاء دور مركزي متزايد لرموز سوداء يمينية، من أجل إضفاء شرعية مزيفة على تلك الحملة.

فالمعروف أن الأغلبية الساحقة من الأميركيين السود ينتمون للحزب الديمقراطي، بسبب مواقف اليمين المناهضة لمصالحهم. لكن ظلت هناك منذ البداية حركة للسود اليمينيين من أساتذة الجامعات والمهنيين والسياسيين، الذين شاركوا في فعاليات الحزب الجمهوري وشاركوا اليمين الأميركي الرؤى السياسية.

وظل جوهر فكر تلك الحركة قائما على محورين، أولهما تأييد سياسات اليمين الاقتصادية والاجتماعية، ومن ثم معارضة البرامج الاجتماعية لدعم الأقليات التي نشأت عشية حركة الحقوق المدنية، باعتبار أنها تخلق ثقافة الاتكال على الحكومة بدلا من الاعتماد على الذات. أما المحور الثاني فهو تحميل السود أنفسهم، لا العنصرية ضدهم، المسؤولية الكاملة عن تردي أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية.

وهو خطاب يغفل جانبا من الحقيقة، ولا يقدم حلولا تجعل اليمين بديلا مقبولا لدى الأقليات. لكن الجديد في العقد الأخير، هو أن حركة السود اليمينيين انضمت لها رموز سوداء، تستخدم لمهاجمة السود لغة فجة تتبنى المنطق العنصري ذاته الذي صار الكثير من البيض يلفظونه ويستهجنونه أصلا، وصارت تلك الرموز تحظى بتلميع مكثف من جانب الإعلام اليميني، الذي صار يفتح لهم أبوابه وخزائنه.

ففي واقعة تريفون مارتن، مثلا، احتفى إعلام اليمين بالقس اليميني الأسود جيسي لي بيترسون، الذي قال إن "عنصرية السود هي التي قتلت تريفون مارتن"، والفتى كان "بلطجيا"، على حد وصفه، وضحية لرموز الحقوق المدنية الذين تاجروا بقصته وحولوها لقضية من قضايا الحقوق المدنية.

وأضاف بيترسون إنه ظل طوال 23 عاما يحذر من "عنصرية السود ضد البيض التي خرجت عن السيطرة"، وتحولت لحمة "لابتزاز البيض خوفا من اتهامهم بالعنصرية".

والحقيقة أن بيترسون لم يقل لنا كيف يمكن لعنصرية السود أن تقتل الفتى! فالعنصرية تقتل حين تكون في يدها القوة والسلطة، وتلك مسألة جوهرية في دراسات العنصرية والتمييز والتحيز. وتريفون مارتن ورموز حركة الحقوق المدنية، لا يملكون سلطة قادرة على القهر.

وقد برزت أيضا في العامين الأخيرين، سيدة سوداء تدعى كريستال رايت، صارت فجأة ملء السمع والبصر وضيفة دائمة على البرامج الحوارية اليمينية، تتولى الهجوم على السود وسلوكهم. وهي كانت أول من هاجم والدة الفتى القتيل مارتن واتهمتها بخلق "حرب عرقية مفتعلة". وحين ألقى أوباما كلمة بعد تبرئة قاتل الفتى، اتهمته بأنه "رمى عظمة المسألة العرقية للسود". والمفردات التي تستخدمها رايت يرفض الكثير من البيض استعمالها، ويعتبرونها فجة في عنصريتها.

ولعل هذا الخطاب الفج، هو نفسه المسؤول عن عجز السود اليمينيين عن اكتساب أرضية وجمهور حقيقي في أوساط السود. ورغم أن هناك مؤشرات تثير القلق كان أخطرها النكوص عن حماية الحق في التصويت على يد المحكمة العليا الأميركية، إلا أنه لا يزال مبكرا الحكم على مدى نجاح تلك الحملة اليمينية، التي تهدف للعصف بمكتسبات الأقليات في أميركا، بلد المهاجرين الذي يقوم في الأساس على التعددية العرقية والإثنية والدينية.