عندما همّ زوجها بمغادرة المنزل نادته ليُحضِر لها سمكةً من السوق شريطة أن تكون مقطوعة الذيل، لم يُفكّر بغرابة الطلب فنحن معاشر الرجال لا تستهوينا هذه التفاصيل كثيراً ونحب التغافل عنها حتى نمنح أنفسنا بعض مساحات المناورة مستقبلاً إن قُمنا بشيء مختلف، عند عودته استشاطت "سيادتها" غضباً لـمّا عاد بسمكةٍ كاملة، ولم تفلح مداخلته أنّه بإمكانها أن تقطع ما تشاء بنفسها.

وعندما سألها عن السر في ذلك أخبرته بأنّ الوصفة التي أخذتها عن أمها تؤكد على سمكةٍ مقطوعة الذيل، فقام المسكين بالاتصال بأمّها لتخبره أنها بدورها أخذت تلك الوصفة "السرّية" عن أمها، ليتصل بالجدّة والتي كانت تقهقه وهي تشرح له السر العجيب بأنّها كانت تفعل ذلك لأنها لا تملك سوى مقلاة صغيرة الحجم لا تستوعب كامل السمكة!

لو تأملنا ما حولنا فسنجد الكثير من نوعية تلك "السمكة" من أمورٍ ومسلمات ومسارات، درجنا على بعضها منذ الصغر فكبرت معنا وأصبحت أشبه بالشيء المقدّس لدينا، واستعرنا البعض الآخر ممن حولنا من رفاق أو معارف أو وسائل إعلام لتُشكّل منظومتنا الفكرية بما تشاء لننساق في كثير من الأحيان في توجهات لسنا في دواخلنا مرتاحين لبعضها نفسياً لكننا لا نملك الجرأة لمناقشتها وإعادة تقييمها خوفاً من رفض الآخرين أو ظهورنا في مظهر الشاذ عن البقيّة!

لم يُميّزنا الله تعالى بالعقل كأعظم نعمةٍ وهبها لكائنٍ من مخلوقاته لنضعه على الرف أو نختم عليه بالشمع الأحمر وننتظر ما يقوله لنا الآخرون لنفكر بنفس طريقتهم وننظر للأمور بنفس نظرتهم ونستنتج من تلك النظرة "المستعارة" ذات النتائج التي استنتجوها أيضاً، في تناقض نفسي رهيب عندما سمحنا لذلك الغير بالتفكير والتقرير والتفسير.

ولم نُعطِ أنفسنا ذات الحق فأدخلنا تفكيرنا في منظومة ثقافة القطيع طواعية، وهي الثقافة التي أضلّت في صورتها الكبرى الأمم البائدة والشطر الأكبر من الأمم الحالية وانتقدها المولى سبحانه بقوله في سورة الأعراف:

"وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ"، فالوعي لا يمكن تعطيله ما لم نقم بتعطيل أدواته، والأداة الرئيسية لذلك هي التساؤل والبحث عن عِلّية الشيء دون التفات لمن ينافح عنه أو من يطعن به، فالصواب بأن نعرف الرجال بالحق وليس بأن نعرف الحق بالرجال!

ليس إلغاء ميزة التفكير محصورة بعوالمنا الشرقية، بل تنسحب على الأمم كافة ولكن في أشكالٍ مختلفة أو في جوانب بعينها، فالتفكّر أحياناً يكون انتقائياً لانحراف الفطرة أو اتّباع سياسة القطيع، وإنْ بشكلٍ جزئي غير منظور، فستيف جوبز على عبقريته التقنية كان بوذياً يُقدّس تمثالاً في التبت مثله مثل روبن شارما وأولئك الفلاسفة الذين ملأوا أرفف المكتبات في الحديث عن السعادة وحقيقة الحياة وتبسيطها وهم لم يجرأوا على مناقشة أصل عقيدتهم التي تصنع صنماً لتقوم بعبادته .

كما كان يفعل أبو جهل قبل ألف وأربعمائة عام ونيّف، وجاك ويلش على ألمعيّته الإدارية وقياديته الفذّة وتطويره لمنهجية الجودة المسمّى Six Sigma للإنتاج الخالي من العيوب ما زال كغيره من النصارى يؤمن بالتثليث وبعقيدة الخلاص الساذجة، وليته أدخل هذه العقائد الفاسدة لذات منهجيات الجودة لكان بمقدوره أن يتدارك مصيره قبل أن يصل إلى "يَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا".

إن من الإساءة للنعمة أنْ لا نشكرها، ومادام العقل هو ما اختص به الإنسان دون سائر المخلوقات فإنّه حريٌ به أن يستخدمه لما خُلِق له، فقد أفاض المولى سبحانه بقرآنه الكريم في الأمر بالتفكّر والتدبّر فيما حولنا وفي إعادة النظر لما تلقفناه من غيرنا سواءً كانوا آباءً قد رحلوا أو أقراناً ما زلنا بين ظُهرانيهم،.

وكَثُرَت الآيات التي توبّخ أولئك الذين انقادوا لما وجدوا آباءهم عليه أو تبعوا ما قاله لهم الآخرون دون تمحيصٍ لجدواه أو موافقته للعقل الصحيح، فمن لا يملك الجرأة على التفكير أو التساؤل لن يذهب بعيداً عن الانسياق لآراء غيره ممن تبعوا بدورهم ما ورثوه ممن سبقهم أو ربما فكّروا وتساءلوا وخرجوا بقناعات شخصيةٍ قد تكون قاصرة أو مشوّهة بناءً على قدراتهم الفكرية ومعارفهم وخبراتهم الحياتية المحدودة.

عندما اشتكت وزارة الدفاع الأميركية من سوء أداء سلاح المدفعية تم تعيين خبير لتقييم الوضع، والذي تفاجأ بجزئية غريبة هي سبب سوء الأداء ألا وهي أن الجندي ينتظر ثماني ثوانٍ من تلقيه أمر الإطلاق قبل الضغط على الزر، ولم يتحصّل الخبير على تفسيرٍ منطقي لذلك التأخير سوى أنها اللوائح وما تم التعارف عليه، ليبدأ بالبحث و"التنبيش" ويكتشف المفاجأة المدوية،.

وهي أنّه خلال القرن التاسع عشر كانت المدافع تسحب بالخيول، فكان يتم إعطاء مهلة الثواني الثمان لإبعاد الخيول عن فوهة المدافع قبل إطلاقها، ولقرنٍ من الزمان لم يتساءل أحد عن السبب وتم إضفاء قدسية "اللوائح" عليه وتسبّب في سوء أداء وزارة كاملة قبل أن يأتي شخصٌ فكّر وتجرأ على البحث عن العِلّة ورفض أخذ الأمور كما هي، ليكتشف كم كانت تلك الثواني بريئةً من جعلها شمّاعةً للخطأ كما هو الحال في ذيل السمكة!