حياة الإنسان لا تقاس بعدد السنين التي عاشها في دنيا الناس، ولكن بما تركه فيها من مآثر في حياتهم لتبقي بعد مماته تخلد ذكراه وتحفر محبته في قلوب من قدم لهم صنيع الخير، والإمام الشافعي يقول "ومن الناس من ماتوا ولم تمت مآثرهم"، لتمتد حياتهم في حياة كل من ساعدوهم أو فتحوا لهم طريقا من خير، وهؤلاء هم الصفوة بحق الذين أمدهم الله بطاقة لحب الغير، وتجاوز النظرة الفردية فغيروا وجه الأرض.
كما أن هناك من تمتد به الحياة سنوات وسنوات ولا أثر له يرى حتى في أضيق الدوائر المحيطة به، ذلك الذي لم يذق حلاوة العطاء، وانطوى على ذاته لا يرى أبعد من رمية حصى، وهؤلاء أموات وإن عاشوا بين الأحياء.
وعندما تذكر كلمة بصمات، أول ما يدور في ذهن المرء هو التأثير الذي تركه سيد الخلق محمد، صلى الله عليه وسلم، على البشرية، ودعاة الخير والمصلحون على مر العصور، وما تركه العلماء من اختراعات واكتشافات غيرت مسيرة الحياة، ثم يأتي دور القادة وتأثيرهم على المجتمعات.
وهنا أقول إن البصمات التي تركها القائد الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان - طيب الله ثراه - من خير لوطنه وأبناء شعبه والعالم، ستظل باقية عبر آثاره الخالدة، واتحاد الإمارات ذاته هو درة تاجها، فضلا عن محبة في قلوب الشعب يتوارثها الأبناء عن الآباء؛ ولأن القلوب المتسعة لخير الإنسان قادرة على العطاء للإنسان كونه إنسانا، بصرف النظر عن لونه أو جنسه أو دينه، عبرت آثار الخير حدود الوطن، لتنشر رسالة محبة، وأن تكون هي العنوان الكبير لسياسة إمارات الخير في التعامل مع محيطها العربي والإقليمي والدولي، فكان الرصيد الحضاري لدولة الإمارات قيادة وشعبا في قلوب مختلف أجناس الأرض، أبقى من كل المصالح وأقوى من كافة الاتفاقيات، لأنها مع الشعوب ذاتها وليست مع حكومات تتبدل.
آية ذلك أنك أينما تذهب تشعر بفخر انتمائك إلى هذا الوطن المعطاء، الذي ما حمل إلى البشر إلا رسالة سلام، حتى مع المخالفين له والمغتصبين لأرضه، لأن طريق الخير الذي بدأه الشيخ زايد - رحمه الله - وإخوانه حكام الإمارات، بإيمان وبعد نظر وبالتزام إنساني، وضع الأساس الذي اتبع خطاه الخلف الذين قبضوا على تلك المسيرة ونموها.
بالإضافة إلى ذلك فإن المرحوم الشيخ زايد بن سلطان، ترك بصمة كبيرة وجلية في مجال التعليم، وما شاهده من تطور سريع مواكبا للتغيرات العالمية التعليمية والتقنية ساهمت في بناء الإنسان، سواء كان الإماراتي أو العربي أو الأجنبي، وذلك من خلال مؤسسات التعليم العالي التي أخذت مكانتها على الخارطة العالمية.
ولقد استوقفتني تلك الفعاليات الثقافية والدينية التي يشهدها مجتمع الإمارات خلال شهر رمضان المبارك، حيث نرى مسابقات القرآن الكريم تقام في جميع إمارات الدولة، واستضافة كبار علماء الدين والفكر من مختلف أنحاء العالم الإسلامي لإثراء هذا المجتمع بعلومهم.
ففي الأسابيع الماضية عشنا مناسبات عدة في تكريم أهل العلم، اقتداء بقائد ومؤسس هذه الدولة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان وأخيه الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم ومن سار على نهجهما قادة هذه البلاد حفظهم الله.
ففي إمارة دبي تم تكريم حفظة القرآن وقرائه من المشتركين في مسابقة القرآن الكريم، بالإضافة إلى تكريم شخصية العام الإسلامي، وما هذه المناسبة إلا استكمال لدورات سابقة لعدد من السنين.
كما كان لإمارة عجمان نصيب كبير في هذا الشأن، وآية ذلك الرعاية الكريمة التي يوليها صاحب السمو الشيخ حميد بن راشد النعيمي للعلم والعلماء؛ حيث كرم حفظة القرآن من الذكور والإناث الذين شاركوا في مسابقة القرآن الكريم، بالإضافة إلى تكريم أهل العلم من علماء الدين، ولم يكتفِ بذلك إذ لم ينسَ رواد العلم في إمارة عجمان، الذين ساهموا في تأسيس أبناء هذه الإمارة من خلال الكتاتيب، والذين كان يطلق عليهم "المطاوعة"، وكان لهم دور في تعليم وتحفيظ الجيل السابق للقرآن الكريم، فقام سموه بتكريم المطوع عبد الله بن عيسى آل معين، والمطوعة خديجة عبد الرحمن الخاجه والتي كان لي شرف استلام درع التكريم لها من سموه.
وفي أمسية رمضانية، دعا لها الأستاذ أسامه سعيد سلمان، نائب رئيس جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا، حضرت شخصيات تعليمية وبعض من كان لهم دور في دعم التعليم والمتعلمين، بالإضافة إلى عدد من الأكاديميين والإداريين المنتسبين للجامعة؛ وتناول المتحدثون دور وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في الارتقاء بمستوى التعليم العالي، من خلال التفاعل الإيجابي الذي يدور بين هيئة الاعتماد الأكاديمي التابعة للوزارة ومؤسسات التعليم العالي في الدولة، وخاصة جامعة عجمان.
وقد أشاد المتحدثون بالبصمات الإيجابية التي تركها معالي الشيخ نهيان بن مبارك في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، وتأثير ذلك على مؤسسات التعليم العالي بشكل جعلها تكون وجهة للدارسين، سواء من الأقطار العربية أو غير العربية.
كما أشادوا بالدور الذي تلعبه المؤسسات الخيرية، وخاصة هيئة الأعمال الخيرية في إمارة عجمان، في دعم الطلبة المعوزين من المواطنين وغيرهم، من خلال صندوق مخصص لذلك ويساهم فيه بشكل كبير صاحب السمو الشيخ حميد بن راشد النعيمي، وأصحاب الخير من المواطنين والمقيمين على هذه الأرض المعطاء.
هذه الحالة التي تعبر عن مجتمع حي يبعث برسالة تقدير مفادها "كن إيجابيا"، وأن على أبناء الوطن وكل من يعمل، أن يترك بصماته ليكون له تأثير إيجابي يتركه للأجيال القادمة ينفع بها الوطن والبشرية.. فطوبى لمن أسس وبنى، وطوبى لمن حافظ ونمّى، وطوبى لمن أحب هذا الوطن.