لطالما وجه الأوروبيون انتقادات لسياسة إسرائيل الاستيطانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وفي مناسبات بعينها، بلغت هذه الانتقادات حد الإدانة الصريحة والتسفيه، على اعتبار أن الاستيطان يُشكّل خرقاً صارخاً للقوانين الدولية المنظمة للعلاقة بين القوة القائمة بالاحتلال والأراضي المحتلة الخاضعة لها.
ومن نافلة القول، إن هذه الانتقادات والإدانات لم تحظ بالقبول من طرفي الصراع الأساسيين. فالعرب رأوا فيها مجرد أقوال نظرية غير مشفوعة بإجراءات عقابية فعالة من كتلة إقليمية وازنة، تملك لي ذراع إسرائيل على أكثر من صعيد، كيف لا ودول الاتحاد الأوروبي تستحوذ، فرادى ومجتمعة، على زهاء 60% من تعاملات إسرائيل الاقتصادية الخارجية.
وفي الأدبيات العربية ذات الصلة، كثيراً ما ترددت الإشارة إلى أن الأوروبيين لا يعالجون العصيان القانوني الإسرائيلي بالصرامة التي أبدوها مع قوى أخرى، كجنوب إفريقيا وإيران والصين وروسيا، حين آنسوا منها ما اعتبروه انتهاكات حقوقية في مناسبات وقضايا معينة.
وبدورهم، استنكر الإسرائيليون المنحى الأوروبي الانتقادي، بحسبه منحازاً للرؤية العربية ولا يستمع الى الدفوع الإسرائيلية المضادة، التي تحتج بأن الأراضي الفلسطينية مجرد مناطق متنازع عليها. وبناء على هذا التبجح، لم يقبل الإسرائيليون بأية مبادرة أو وساطة أوروبية منفردة في مضمار التسوية. والظاهر أن الإسرائيليين اطمأنوا إلى أن الأوروبيين لن يغادروا حوزة الغضب الناعم التي احترفوا المراوحة فيها مطولاً.
وكان مما أطمع تل أبيب في مزيد من الاصطبار الأوروبي، تلك العلاقة العضوية شبه الجذرية بين اسرائيل، الفكرة ثم الدولة، وبين الفضاء الأوروبي، بحيث لم يتصور أكثر الإسرائيليين تشاؤماً أن يتخلى هذا الفضاء عنهم أو يمارس عليهم ضغوطاً حقيقية.
وبسبب الوثوق في مستوى الشراكة الأوروبية فوق العادية معه، تجاهل الشريك الإسرائيلي المخالف بعض المؤشرات والمعطيات التي كانت توحي بأن لصبر الأوروبيين حدوداً، وأنهم في طريقهم إلى اتخاذ خطوات عقابية ما ضده.
ومن ذلك البيان الذي أصدره قبل أسابيع مسؤولون أوروبيون سابقون، مشيرين فيه إلى أن التاريخ لن يتسامح مع أوروبا أذا ما أغفلت الحقوق الفلسطينية أكثر من ذلك، واستطلاعات الرأي التي أكدت مراراً على أن لإسرائيل صورة بالغة السلبية بين الأوروبيين.
وعلى أن الأخيرين يودون تبييض صفحتهم أمام الجيران العرب في الجنوب، والخروج من دائرة الدور الكلامي الذي حشروا أنفسهم فيه، أو الذي ألزمهم به "المعلم" الأميركي وتابعه الإسرائيلي. لقد ظن الإسرائيليون أن ثوابت علاقتهم بالعالم الأوروبي، تجب وتعلو على أية متغيرات، ولذا فإنهم أصيبوا مؤخراً بما يصح وصفها بالصدمة السياسية والنفسية جراء "الخطوط الإرشادية" التي قررها الاتحاد الأوروبي ضد الاستيطان والمستوطنات.
كان وقع هذه الخطوة فارقاً ومؤلماً إلى درجة أنها أنست الإسرائيليين وزنهم الحقيقي، وساقتهم إلى التهديد باتخاذ إجراءات عقابية مضادة بحق أولياء نعمتهم التاريخيين. والواقعة بإيجاز هي أن الاتحاد الأوروبي أفاق على حقيقة أن السماح بذهاب تمويلاته إلى المستوطنات الإسرائيلية، لا ينتهك القانون الدولي فحسب وإنما يخرق القوانين الأوروبية أيضاً. ومن هنا بادر الاتحاد بخطوته "كجهد متأخر لتطبيق القوانين الأوروبية على النحو الصحيح والحفاظ على نظافة ذمته".
وبموجب الخطوط الإرشادية، سوف يقتصر الاتحاد الأوروبي بدءاً من 2014 على "منح الهبات والقروض والحوافز وغيرها من الأدوات المالية للكيانات الإسرائيلية غير العاملة في الأراضي الفلسطينية المحتلة". وعادة ما يتم تخصيص هذه العطايا لمشروعات البحث والتطوير والأنشطة الثقافية والبرامج الرياضية للشباب ونحو ذلك.
وعموماً سيلتزم الأوروبيون من الآن فصاعداً، بعدم تقديم أي دعم إلا للأنشطة المقامة والعاملة داخل حدود إسرائيل؛ البعيدة تماماً عن الأراضي الفلسطينية طبقاً لحدود 1967. وسوف يتعين على الجهات الإسرائيلية المعنية تقديم إعلانات شرف تفيد بتلبية هذه المعايير والالتزام بها.
بهذه الخطوط غير المسبوقة، بدا الأوروبيون وكأنهم يتبنون تعريف الفلسطينيين لدولتهم. الأمر الذي أثار غبطة الأخيرين بينما استفز الإسرائيليين إلى أبعد التصورات. وفي ذلك ذكر نائب وزير الخارجية الإسرائيلي زئيف ألكين بأن "الأوروبيين يحاولون إملاء نتائج المفاوضات مع الفلسطينيين، وعليهم أن يعلموا بأننا لا نرى فيهم وسيطاً محايداً..".
على أن أم المفارقات بين يدي هذا التطور، أن إسرائيل راحت تتوعد الاتحاد الأوروبي، بكل هيله وهيلمانه، بإجراءات عقابية، كحرمان موظفيه من العبور إليها أو إلى الضفة الفلسطينية، ومنع تحويل الأموال الأوروبية إلى بعض المشروعات في الضفة وغزة، وعدم الإجابة على اتصالات ممثلي الاتحاد الأوروبي أو الاستجابة لتوجيهاتهم. والبقية تأتي.
تقديرنا أن الخطوة الأوروبية أقرب إلى عملية "قرص أذن" لإسرائيل. لكن الظاهر أن هذه الأخيرة لم تستوعب الرسالة، بدليل أنها راحت ترغي وتزبد وتهدد، وكأن غريمها هذه المرة أحدى جمهوريات الموز، إنه الغرور الذي يجعل صاحبه يعض اليد التي انتشلته من المجهول إلى عالم الشهادة، ولله في دوله شؤون.