من نعم الله سبحانه وتعالى علينا، أن قيض لهذا الدين الحنيف العديد من العلماء العاملين الصادقين الحريصين على دين الله، المنافحين عن حرماته. ومع انتشار ضلالات التنظيمات التي تتاجر بالإسلام، وفي مقدمتها الإخوان المتأسلمون، أصبح دور هؤلاء العلماء أكثر أهمية وجدوى من ذي قبل لكشف الأباطيل وإيضاح الحقائق، على الرغم من الحرب الشعواء التي شنتها عصابة الإخوان على مدار عقود على كل عالم خالفها الرأي أو الاجتهاد، تارة تحت مسمى علماء السلطان وتارة تحت مسميات أخرى واهية تتنوع حسب كل عالم على حدة.

ومن أبرز العلماء المعاصرين الذين تنبهوا مبكرا لخطر الإخوان على الإسلام والمسلمين في دينهم ودنياهم، العلامة المصري الدكتور محمد سعيد رسلان، وهو دكتور في علوم الحديث الشريف، ويحظى بشعبية واسعة في مصر، وخصوصا محافظة المنوفية، لكنه اكتسب شعبية أوسع بعد تصديه للإخوان وباطلهم بشكل علمي ومنهجي منظم.

ومن بين مواقف عديدة، تبرز للرجل محاضرتان مهمتان في المضمون والتوقيت، الأولى ألقاها في منتصف يونيو 2012، أي قبل استيلاء الإخوان على حكم مصر وعنوانها: "ماذا لو حكم الإخوان مصر؟"، والثانية بعد سقوطهم ألقاها يوم 5 يوليو المنصرم بعنوان: "حكم الإخوان.. دروس وعبر".

وأهمية ما يقوله الدكتور محمد سعيد رسلان، والذي يتعرض لهجوم شديد من الإخوان وأتباعهم، أنه يجمع ما بين العلم الشرعي المستنير بهدي الكتاب والسنة، والثقافة السياسية العقلانية الناضجة. وقد سمحت له محاضرتاه سالفتا الذكر بتقديم دراسة استشرافية موضوعية لأداء الإخوان في حكم مصر، وهو ما أثبتت صحته السنة التي انقضت، ثم استنتاج الدروس من ذلك الأداء، بعد أن زالت غمتهم عن مصر الشقيقة.

والشيخ رسلان الذي يختار أن يصف الإخوان بعبارة الغزالي "أغمض عينيك واتبعني"، قال في محاضرته الأولى إن أول نتائج وصول الإخوان لحكم مصر، أن تتحول إلى جمهورية مصر الإخوانية، من خلال مجموعة من الوسائل التي ثبتت صحتها جميعا في الشهور الاثني عشر الماضية، وبعضها تحقق تطبيقها بينما بُدئ في البعض الآخر ولم يوقفه إلا هبة الشعب المصري في 30 يونيو، ويمكن إيجازها فيما يلي:

- أن يكون الرئيس الفعلي لمصر المرشد العام للإخوان المسلمين، وأن تدار مصر داخليا وخارجيا من مكتب الإرشاد، لا من قصر الرئاسة..

- أن تكون مصلحة الجماعة مقدمة على مصلحة مصر، وأن تكون التقية قاعدة السياسة الداخلية والخارجية.

- أن يتم تفريغ جميع أسرار الدولة العليا وأدقها في ذاكرة الجماعة، وسراديبها؛ وذلك لضمان أطول مدة في حكم البلاد.

- أن تكون المرجعية الإسلامية للأصول العشرين لحسن البنا، لا للكتاب ولا للسنة.

- أن يرتفع المد الشيعي في مصر وتقريب السنة من الشيعة بحجة التقريب بين المذاهب، حتى يتم التمكين للروافض في مصر.

- استحداث قوانين وتعديل قوانين من أجل الاستحواذ على مشيخة الأزهر ومجمع البحوث والإفتاء.

- أن يتم تدريب شباب الإخوان على التفجير والتدمير والانتحار، واستعمال السلاح على أيدي كوادر من حماس، وحزب الله، والحرس الوطني الإيراني، وكل ذلك بحجة الإعداد للجهاد في سبيل الله!

- أن يقع التباعد بين مصر التي تقارب الشيعة وترتمي في أحضان الروافض، وبين الدولة السنية السلفية السعودية، وبقية الدول السنية.

- أن يعاد تشكيل البنية التحتية السياسية على أساس الولاء والانتماء للجماعة، لا على أساس الكفاءة والإخلاص في العمل وتقوى الله رب العالمين.

- أن تتم السيطرة على الإعلام والتعليم من الناحيتين؛ النظرية والعملية، ومن المنظورين؛ العلمي والتطبيقي.

- تغيير المناهج التعليمية في التاريخ وغيره؛ بحيث تمسخ حقبة، وتنشأ على أطلالها حقبة أخرى، ينعق على جوانبها البوم والغربان!

- السيطرة على الدعوة الإسلامية بالسيطرة على المنابر والوعظ والإدارات والتفتيش والمديريات ووزارة الأوقاف..

- أن يتم الإقصاء والتشفي، مع الانتقام وإيقاع العقوبات على كل من عارض أو نصح أو وجه أو نقد، باسم إقامة العدل وإحقاق الحق.

- التغلغل في المؤسسات السيادية للاستحواذ عليها حتى قممها؛ كالمخابرات، والأمن القومي، وقيادة الجيش، وأكاديمية الشرطة، والنيابة والقضاء.

ولعله من نافلة القول اليوم التذكير بأن هذه المحاذير أصبحت سمة غالبة على طريقة عمل الإخوان في السلطة، ليس في تجربتهم المصرية وحدها، بل وفي الدول الأخرى التي وصلوا للسلطة فيها، مثل تونس وليبيا، وقبل ذلك غزة الجريحة.

لكن ما هي أهمية هذا الكلام اليوم؟ الواقع أن هذا يكشف حقيقة الإخوان كتنظيم وصولي إقصائي سلطوي، ويكشف زيف ادعاءاتهم بأنهم إصلاحيون أو أنهم ديمقراطيون أو أنهم يريدون إقامة شرع الله في الأرض. فالأسس التي تقوم عليها نظرياتهم السياسية هي غير ذلك، أما ممارساتهم على الأرض فأبعد ما تكون عن شرع الله أو عن مصالح العباد والبلاد.

كما أن الطبيعة الشمولية المافيوية لهيكلهم التنظيمي، تجعلهم يسعون للاستحواذ على فكرة الدولة ومؤسساتها لصالح التنظيم الأخطبوطي.

وهذا يؤدي إلى نتيجة واحدة هي تدمير الدولة التي يستولون عليها بشكل مؤسسي وممنهج، وهو ما بدأت معالمه تتضح في ممارساتهم خلال السنة السوداء التي سيطروا فيها على مقدرات مصر. وإذا أضفنا لهذا أن الإخوان، وبسبب طبيعتهم التنظيمية، لا يأبهون لفكرة السيادة الوطنية، تتضح بشكل جلي أبعاد المخاطر التي يمثلونها على أي بلد.

أما محاضرة الشيخ رسلان التي أحدثكم عنها، فقد كانت رسالة تنبيه وتوضيح إلى الناس العاديين، أثبتت الأيام صحتها.. ولعل محاضرته الثانية تثبت هذه الصحة أيضا، من خلال الدروس والعبر التي استنتجها كعالم شرع حنيف، من تجربة حكم الإخوان، وهذا موضوع حديث آخر..