ما تتميز به المرحلة الحالية من تاريخ الشرق الأوسط، هو أن مصطلح "الحرب الأهلية" لم يعد مخيفاً ومرعباً في أوساطها، بعد أن أصبح متداولاً كأي مصطلح سياسي آخر في وسائل الإعلام، وفي الأحاديث اليومية التي يتناولها الناس حين يتطرقون إلى ما يؤرقهم. فقد شهدت دول عربية في أكثر من مدينة من مدنها، صدامات لا يمكن أن تفسر من غير أن يرد مصطلح الحرب الأهلية فيه.

الأسباب الجوهرية التي قد تشعل حرباً أهلية في أي مكان من العالم متعددة ومتباينة، فقد تندلع حرب كهذه مدفوعة بعوامل عرقية أو دينية أو طائفية أو طبقية أو سياسية.

وأياً كانت الأسباب وراء اندلاعها فهي حرب تتميز بوحشيتها وضراوتها، وبما تخلفه من خراب اقتصادي ومجتمعي تمتد تأثيراته لأجيال قادمة، ناهيك عما توفره من فرص لتدخلات خارجية من دول الجوار، بغية تغيير موازين القوى لصالحها.

الوضع في دول الشرق الأوسط شديد التعقيد، فمجتمعاتها منخرطة في صراعات تبدو في واجهاتها سياسية، إلا أن جوهرها في الحقيقة غير ذلك. فقد ابتليت هذه المجتمعات بحضور يومي على موائدها لقضايا التاريخ الذي غادرنا منذ زمن بعيد ولا يزال البعض يصر على أن لا يغادره، بل يستحضر أجواءه لفرضها على الساحة السياسية ليجني من جراء ذلك بعض ثماره الدموية.

ورغم أن الأحداث في مصر وسوريا قد أغرت الإعلام في الآونة الأخيرة بإعارتها جل اهتمامه، إلا أن ما يجري في العراق يعيده إلى مركز الصدارة في لائحة الاهتمام والقلق الدوليين.

فالأوضاع فيه قد وصلت حدوداً غير عادية من التمزق وانسداد قنوات الحوار واستفحال العنف، حيث أصبح عدد القتلى في الشهر الواحد لا يقل عن ألف، وأضعاف هذا الرقم من الجرحى والمصابين، مما حدا بصدور تصريح خطير عن الأمم المتحدة، مفاده أن "العراق على شفا حرب أهلية". والحقيقة أن هذا التحذير ليس الأول من نوعه، فقد وردت تحذيرات مشابهة في أكثر من تصريح وتقييم للشأن العراقي.

لا ردود فعل جدية لهكذا تصريح من الجانب العراقي، علماً بأن مصير العراق لا يزال مرتبطاً بقرارات هذه المنظمة الدولية، وليس من الحكمة أن تعيره الحكومة أذناً طرشاء أو تمعن في الإفصاح عن بلادتها وبلاهتها وكأن ما يجري حولها لا يعنيها. فالخروج من تبعات الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، لم يكن تحرراً تاماً من القيود الدولية التي كبلت العراق منذ قيامه بغزو الكويت عام 1990.

لم يشهد العراق هدوءاً منذ الغزو الأميركي عام 2003، الذي مهد أرضه لتصبح ساحة تمارس فيها التنظيمات الإرهابية نشاطاتها بحرية لا تجد مثيلاً لها في الدول الغربية.

إلا أن تبدل الإدارة الأميركية ومجيء الرئيس أوباما، الذي لا يتفق مع سلفه في تقييمه للسياسات المتبعة في الشرق الأوسط، ترتب عليه انسحاب مبكر للقوات الأميركية، مما ساعد على تعزيز فرص التراجع الأمني في العراق، ليس لأن القوات الأميركية كانت منشغلة بشكل مباشر بشأنه الأمني، بل لأنها كانت منشغلة بطريقة غير مباشرة بذلك، من خلال تأثيرها على الوضع السياسي وعلى توجهات الحكومة.

فالنهج التراجعي الذي اتبعته إدارة الرئيس أوباما في تناولها للملف العراقي، بدأ ينعكس على توجهات القوى السياسية المسيطرة على الحكم، التي بدأت بالابتعاد عن اعتماد مبدأ المحاصصة لصالح سياسة جديدة تعتمد الإقصاء والتهميش.

إلا أن الوضع الأمني العراقي قد تفاقمت مشكلاته منذ اندلاع الثورة في سوريا، وتحولها بسبب خلل في قيادات طرفي الصراع إلى حرب أهلية ذات أساس طائفي، تعززت أبعاده حين اشتركت فيها قوى وأحزاب من خارج سوريا بشكل رسمي وعلني. فالاستقطاب الحاد في ساحات المدن السورية قد فاقم من سوء الوضع الأمني في العراق، وكشف عن حجم العجز الذي تمتاز به الحكومة رغم ضخامة أجهزتها الأمنية.

ولعل ما جرى يوم الحادي والعشرين من يوليو الجاري، في الهجوم الواسع على سجني التاجي وأبو غريب وسقوط عشرات القتلى والجرحى وهروب ما يزيد على خمسمائة سجين، يكشف عن مدى هشاشة الوضع الأمني وعن بؤس هيكليته، علماً بأن عمليات فرار السجناء قد تكررت على مدى السنوات الماضية في أكثر من مدينة عراقية هرب فيها قادة بتنظيم القاعدة ومحكومون بالإعدام.

وكشف هذا الحدث كذلك عن مدى القدرات البشرية والتنظيمية التي تمتلكها القوى التي نفذت الهجوم، وعن قدراتها في اختراق أجهزة الدولة، الأمنية منها بشكل خاص، بسبب سوء الإدارة والفساد المستشري في أروقتها.

المأساة التي يعيشها الشعب العراقي، الذي وجد نفسه عالقاً بين عصابات إجرامية إرهابية تستهدف وجوده، وبين حكومة لا ترى أن الاستقالة هي أحد الخيارات المشرفة لها للحفاظ على ما تبقى من ماء وجهها، ليس في وسع أحد إنقاذه منها غيره، فبيده أن يفعل ذلك أو أن لا يفعل.

الاقتتال الداخلي ليس حلاً للخروج من حالة الأسى التي يعيشها العراقيون، فالآخر هو الشريك في الوطن وليس العدو الذي ينبغي استهدافه. إن الاكتواء بنار حرب أهلية لا يشجع أحداً على الانخراط في جيوش مروجيها من جديد، فالعراقيون قد عانوا في عامي 2006 - 2007 من جحيم تلك الحرب، وليس أمامهم سوى اتقاء ذلك ومحاصرة من دفعهم إليها آنذاك ومن يبغي إعادة الكرة.

لم يتبق سوى شهور قلائل للانتخابات النيابية التي تستند إليها العملية السياسية برمتها، وهي فرصة لا تعوض أمام العراقيين للتغيير وأخذ زمام المبادرة بأيديهم، واستعادة أمجاد الشارع العراقي في إرغام الحكومات على التنحي. إنها فرصة للتصويت للعراق والخلاص من قيود الانتماء الضيق، التي نجح أمراء الطوائف وصُناع الفرقة في توظيفها لاستغفال العراقيين والسيطرة على إراداتهم وتجييرها لمصالحهم.

فرصة لانتخاب وجوه جديدة تنتمي قبل كل شيء للعراق، وليس للعرق أو للطائفة، من أجل إعادة النظر في هيكلية الدولة وإعادة بنائها على أسس عصرية مدنية. فالاستمرار في نهج المحاصصة العرقية والطائفية في بناء الدولة، لم يعد خطأ وإنما أصبح خطيئة لا تغتفر، بعد أن ذاق منها العراقيون الأمرين؛ تخلفاً وتشرذماً وضياعاً.