احتجاجات كبرى في أكثر من مئة مدينة أميركية، ينظمها الذين يشعرون بالظلم الذي وقع على الفتى ذي البشرة السوداء، تريفون مارتن، حين صدر الحكم بتبرئة قاتله جورج زيمرمان، الذي لم ينكر أبدا أنه قتل الفتى قبل أكثر من سنة.

كنت في ذلك الوقت قد كتبت عن قصة الفتى الذي كان يزور والده، المنفصل عن أمه، والذي يعيش في منطقة راقية من المناطق ذات الأسوار العالية والأبواب التي تحجب سكانها عمن خارجها. والفتى كان في طريق عودته للمنزل بعد أن اشترى لنفسه شايا مثلجا وبعض الحلويات لأخيه الأصغر، حين شعر بأن هناك من يتبعه، وحين تأكد من تلك المتابعة التفت لزيمرمان وسأله عن السبب، لكن ما هي إلا دقائق حتى كان زيمرمان قد أردى الفتى قتيلا.

ورغم أن أحدا لم يشكك وقتها في أن زيمرمان هو القاتل، إلا أن الشرطة تركته طليقا لمدة 44 يوما كاملة، بعد أن قبلت دون تحقيق يذكر زعمه بأنه كان في حالة "دفاع عن النفس"، وهي حالة تسمح له وفق قوانين ولاية فلوريدا بأن يستخدم الرصاص الحي. ولم توجه له الشرطة أية اتهامات إلى أن اضطرت للقبض عليه، تحت ضغط الاحتجاجات التي عمت الكثير من المدن الأميركية وقتها.

ثم بدأت المحاكمة فشهدت الكثير من المفاجآت، منها أن القاضية وجهت النيابة والدفاع والمحلفين لعدم استخدام المسألة العرقية على الإطلاق في مداولات القضية.

 ومنها أيضا أن القتيل الذي لم يخرق قانونا ولم يرتكب مخالفة من أي نوع صار يعامل كمتهم، حيث تم فرز كل ما يتعلق به، بدءا من صحيفته الجنائية ومرورا بصفحاته على مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة، وأدائه المدرسي والعقوبات التي وقعت عليه فيها، ووصولا لإجراء تحليل له بعد وفاته للتأكد مما إذا كان يتعاطى المخدرات، بينما كان الخطاب السائد عن القاتل يتعلق "بدفاعه عن نفسه". ثم أصدر المحلفون قرارهم بتبرئة زيمرمان من كل ما وجه له من تهم، على أساس أنه قتل الفتى دفاعا عن النفس، رغم أنه هو الذي تتبع مارتن ولاحقه لا العكس.

والقصة مريرة في كل تفاصيلها، فالقاضية البيضاء رفضت أية إشارة للمسألة العرقية في القضية، رغم أن القصة لها سياق اجتماعي وجنائي قضائي لا يجوز إنكاره.

فتلك ليست المرة الأولى التي يقتل فيها رجل أو فتى ذو بشرة سوداء في أميركا، لسبب وحيد هو لون بشرته. فزيمرمان الذي كان متطوعا لمساعدة الشرطة في حراسة الحي، قال إنه بدأ تتبع الفتى لأنه أثار شكه، حيث كان "يتسكع ببطء" ويرتدي سترة بغطاء للرأس.

لكن تلك اللغة التي استخدمها زيمرمان، لغة يعرفها أصحاب البشرة السوداء في أميركا حق المعرفة، فهي لغة لها تاريخ ممتد منذ العبودية. فما كان "مثيرا للريبة" في مارتن لم يكن شيئا بدر منه، وإنما كان "لون بشرته". فالعقل الجمعي الأميركي يعاني من فكرة كامنة لا يتم التصريح بها أبدا، مؤداها أن صاحب البشرة السوداء، بالذات من الذكور، هو بالضرورة "مجرم أو مشروع مجرم"، وهي فكرة بالغة العنصرية لا تزال تؤثر حتى على الحياة اليومية لأصحاب البشرة السوداء.

واللغة تجسد الفكرة بامتياز، ففي العبودية كان هناك أيضا من يقومون بمساعدة الشرطة في حراسة البيض وممتلكاتهم من العبيد. ويقول الصحفي توم هارتمان إن أحد بنود القانون الذي كان يحكم عمل أولئك الحراس، كان "أن الحارس له سلطة القبض على أي صاحب بشرة سوداء يتصرف بشكل وقح أو غير محترم، أو مثير للشك أو غير قانوني".. وبالطبع كان تحديد متى يكون التصرف وقحا أو مثيرا للشك متروكا تماما للحارس، الذي كان يتجول على حصانه بحثا عن عبيد "ليسوا في مكانهم الصحيح".

والحقيقة أن هذا بالضبط ما فعله "مساعد الشرطة" زيمرمان، فهو اعتبر أن "التسكع والمشي ببطء" كاف للشك في الفتى صاحب البشرة السوداء، فضلا عن أن مارتن جرؤ على السير في حي يراه زيمرمان "ليس مكانه الصحيح" لأنه منطقة راقية. أما المحلفون، أو المحلفات حيث كن ست نساء كلهن من البيض باستثناء واحدة من أصول لاتينية، فقد نظرن للفتى النظرة نفسها باعتباره "يثير الريبة"، دون دليل.

ومرارة القصة كلها أن لا جديد فيها، بدءا من الشك في الفتى بسبب لون بشرته، ومرورا بعدم عدالة النظام الجنائي والقضائي، وصولا للاحتجاجات التي تلت الحكم. وليس جديدا أيضا أن الآباء من أصحاب البشرة السوداء، يشعرون بالخوف الشديد على أولادهم.

وهم في كل مرة يستخلصون العبر من الحادث الذي يقع، لينصحوا أولادهم فيما يخص سلوكهم في المناطق العامة لئلا يتعرضوا لمكروه. ومن بين النصائح التقليدية المعروفة: "ألا تقاوم رجال الشرطة مطلقا لئلا يطلقون عليك النار"، ولا تحاول "أن تجري أو تهرب لأن ذلك يثير الريبة وقد يعرضك للرصاص".

لكن هذه الواقعة تحديدا جعلت الآباء لا يعرفون على وجه التحديد ماذا يقولون، فتريفون مارتن لم يفعل شيئا من الممكن أن يكون قد أثار الشبهات. وهو المعنى الذي عبرت عنه والدة مارتن، حين سألها مذيع السي إن إن عن نوع النصيحة التي ستقولها لابنها الثاني، فقالت "لا أعرف ما إذا كان ينبغي لي أن أقول له الآن أن يجري أم يمشي، أن يدافع عن نفسه أم يظل ساكنا".

القصة باختصار، أن تلك القصة المريرة المتكررة جوهرها أن القضية ليست في سلوك أصحاب البشرة السوداء في أميركا، وإنما جوهرها يكمن في وجودهم ذاته داخل أجسادهم ذات البشرة داكنة اللون.