مبادرتان كريمتان، أعلنهما كل من صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، وصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، في هذا الشهر الكريم.
فيوم الأربعاء الماضي أطلق صاحب السمو رئيس الدولة حملة "مصر في قلوبنا" لدعم الشعب المصري، وقامت هيئة الهلال الأحمر الإماراتي بتنفيذها بناء على توجيهات سموه. وقبلها بأيام أطلق صاحب السمو نائب رئيس الدولة حملة "كسوة مليون طفل محروم حول العالم"، بالتنسيق مع هيئة الهلال الأحمر أيضاً.
بداية نقول إن إطلاق مثل هذه المبادرات لا يعني أن دولة الإمارات وحكامها عاجزون عن توفير المبالغ التي ستجمعها هذه الحملات، وتوجيهها إلى الجهات التي سوف تستفيد منها، فقد أثبتت الدولة وحكامها، على مدى عقود من الزمن، أنهم قادرون على ذلك وما هو أكثر منه، وقدموا للأشقاء والأصدقاء والمحرومين في كل أنحاء العالم، من الدعم والمساعدة ما يعجز عن وصفه اللسان، وعن حصره الأقلام، ليس منة أو فضلاً على أحد، وإنما إحساساً بالواجب القومي والإنساني، و"لأن المؤسسين بنوا هذه الدولة على أسس العطاء والبذل، ومساعدة المحتاج" كما قال صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، وهو يطلق حملة كسوة المليون طفل، مؤكداً أن "زايد، رحمه الله، كان أصل العطاء وبدايته.
وكان المعلم والملهم لشعب الإمارات الكريم، للبذل والكرم الذي لا يعرف حدوداً ولا يفرق بين الإنسان وأخيه الإنسان".
لقد كانت حكومة الإمارات أول المبادرين إلى مد يد العون والمساعدة للشعب المصري، عندما شعرت بعودة الدور المصري إلى المسار الصحيح، بعد فترة ابتعدت فيها مصر عن دورها القيادي المتوازن المعروف، وكان يمكن لدولة الإمارات أن تكتفي بالدور الرسمي الذي سيظل داعماً لمصر، طالما ظلت سائرة على النهج الذي تعودته الأمة العربية منها، والذي لا يمكن للأمة العربية أن تستغني عنه، لكن قيادة الإمارات كانت أبعد نظراً، فأرادت لهذا الدور أن يلتقي الدور الرسمي مع الدور الشعبي الذي يمثل القاعدة الصلبة التي تستند عليها القيادة في جميع قراراتها وخطواتها.
لذلك كان إطلاق حملة "مصر في قلوبنا" لتعطي الدور الرسمي زخماً شعبياً، عبّر عنه سمو الشيخ حمدان بن زايد آل نهيان، ممثل الحاكم في المنطقة الغربية، رئيس هيئة الهلال الأحمر الإماراتي، حين قال إن توجيهات صاحب السمو رئيس الدولة تجسد عمق العلاقات الأخوية بين الشعبين الإماراتي والمصري، مؤكداً أن الشعب المصري ظل على الدوام بجانب أشقائه العرب في محنهم وأزماتهم، ولم يتأخر يوماً في تلبية نداءات الواجب الإنساني لجيرانه والإنسانية جمعاء، لذلك كان لزاماً علينا الوقوف بجانبه في هذه الظروف الطارئة التي يمر بها.
هكذا هي الإمارات دائماً، تنسب الفضل لأهل الفضل، ولا تمن على أحد أو تنتقص من شأن أو دور أحد، وإذا كانت الظروف التي مرت بها مصر خلال الفترة الماضية قد أحدثت نوعاً من القطيعة بين النظام الذي كان يحكمها وعدد من الدول العربية، فإن الوشائج القوية بين الشعب المصري والشعوب العربية، وعلى رأسها شعب الإمارات، لم ولن تنقطع يوماً، مهما تغيرت الأنظمة وتبدلت وجوه الجالسين على مقاعد السلطة فيها.
وحين يقول شعب الإمارات "مصر في قلوبنا"، فإنما يقصد مصر الشعب والدور والتاريخ والحضارة التي لا يمكن أن يغير مجراها كائن من كان، لأن مصر استطاعت على مدى تاريخها الطويل أن تبتلع الكثير من الطارئين عليها، لكن أحداً لم يستطع أن يبتلع مصر ويحرفها عن مسارها الصحيح، أو يزحزحها عن المكانة التي تحتلها في قلوب العرب والمسلمين كافة.
وحين يطلق كل من صاحبي السمو رئيس الدولة ونائبه، حفظهما الله، حملات من هذا النوع، فإنما يرميان إلى ترسيخ مبدأ مشاركة شعب الإمارات لقادته في توجهاتهم القومية والإنسانية، لأن "عمل الخير والعطاء من شيم أبناء وبنات زايد، وهي ثقافة مترسخة في مجتمعنا"، كما قال صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم.
وكلما استخرجنا مخزون هذه الثقافة المترسخة في مجتمعنا، أثبتنا أننا بحق أبناء وبنات زايد المتوافقين مع أنفسهم، تماماً مثلما هم متوافقون مع قيادتهم التي تحرص على استخراج هذا المخزون، وترسيخه، والإضافة إليه، والبناء عليه.
نحن واثقون من أن مبادرة "مصر في قلوبنا" سوف تحقق من الأهداف أكثر بكثير مما هو مخطط له ومتوقع منها، كما أننا واثقون من أن حملة "محمد بن راشد آل مكتوم لكسوة مليون طفل محروم"، سوف تتجاوز العدد المستهدف من الأطفال الذين أطلقت من أجلهم، لكن الأهم من هذا كله، هو أن هاتين الحملتين سوف تحققان الهدف الأسمى الذي أطلقتا من أجله، وهو ترسيخ مبدأ المشاركة الشعبية، التي تظهر مدى تفاعل أبناء الإمارات مع قضايا أمتهم، ومع القضايا الإنسانية التي تحتل مكانة رفيعة في نفوس قادة الإمارات.
هذه المشاركة تكشف عن معدن هذا الشعب الأصيل، ومدى إحساسه بقضايا أمته، ومدى تواصله مع القضايا الإنسانية التي تعاني منها شعوب كثيرة.
وهو هدف له وجاهته التي لا تقل عن أهداف مثل هذه الحملات، لتبقى الإمارات، قيادة وشعباً، نموذجاً فريداً في التناغم والتلاحم، بعيداً عن النظريات والأيديولوجيات التي لم يجن منها كثير من الشعوب سوى الويلات والعثرات، وهي ويلات وعثرات كلما أقيلت منها تلك الشعوب ارتكست في ما هو أسوأ منها، وعادت إلى الوراء خطوات من الصعب تعويضها.