إن الطبيعة الأناركية للنظام الدولي التي تغيب عنها الحكومة العالمية ـ التي من شأنها أن تفرض القانون الدولي ـ تجعل الدول تنظر بالدرجة الأولى إلى مصالحها الوطنية وتعمل على وضع الاستراتيجيات التي من شأنها أن تحقق تلك المصالح التي وبشكل عام تختلف من دولة إلى أخرى، فالدول عليها أن تغتنم الفرص التي تأتي في طريقها بأسلوب يحقق لها المصلحة، وإلا ستكون الطرف الخاسر.
دول الخليج العربي ليست بمعزل عن هذه المعادلة، ولعلها تعيش اليوم لحظة تاريخية يفترض منها أن تستثمرها لصالحها كي تكون الطرف الكاسب وليس الخاسر من مثل هذه اللحظة، علماً أن الظروف تسير في طريق تأطير هذه اللحظة لتصبح لحظة خليجية إذا ما استثمرت بالشكل الصحيح.
دول الخليج العربي تواجه ثلاثة ملفات رئيسية هي الملف المصري والملف الإيراني والملف السوري، إثنان منها بالذات لهما بالغ التأثير في الوقت الراهن في إنجاح استثمار تلك اللحظة لصالح دول الخليج وهما الملف المصري والملف الإيراني، باعتبار أن قدرة دول الخليج على تسيير الأمور في الملف السوري لصالحها أصبحت أكثر تعقيداً ولا يلوح في الأفق ما يمكن أن يشير إلى تغير قد يحدث في ذلك الملف في الوقت القريب. ملفات شائكة ومعقدة بكل معنى الكلمة، إلا أن تلك الملفات تقدم اليوم فرصة لدول الخليج لم تكن متوفرة في السابق لاستثمارها لصالحها.
ففي مصر شاءت الأقدار وبعزم الشعب المصري أن يضع حداً لحكم جماعة الإخوان المسلمين، وأن تعود السلطة من جديد للشعب المصري الذي لم يقبل بأن تحكمه جماعة دينية، أثبتت تجربتها لعام في الحكم بأنها تضع مصلحتها فوق مصلحة الدولة.
إن دول الخليج العربي لم تكن في يوم من الأيام في خارج إطار استراتيجية جماعة الإخوان المسلمين، بل كانت جزءاً مهماً من مشروعها لإقامة دولة إسلامية وفقاً للنظرة الإخوانية. لذلك لا تكاد دولة خليجية إلا وبها تنظيم سري أو علني يعمل في إطار جماعة الإخوان المسلمين، ويرفع راية الولاء للجماعة وليس للوطن. لذلك فإن دول الخليج اليوم أمام لحظة تاريخية لتقول كلمتها ضد مثل هذا المشروع غير الوطني، وذلك من خلال ليس فقط وضع حد لنشاط تنظيم الإخوان في أراضيها وإنما أيضاً ـ وهو الأهم ـ دعم الشعب المصري في رفضه لحكم الجماعة.
إن سقوط مشروع الإخوان في مصر هو المرحلة الأساسية نحو سقوطه في بقية الدول، لذلك لا يمكن لدول الخليج العربي التي لا تود لتلك الجماعة أن تنشط سياسياً على أرضها إلا أن تقف مع الشعب المصري وقفة سياسية واقتصادية وأخلاقية غير عادية.
فبقاء مصر خارج دائرة الإخوان هو مصلحة خليجية ستأتي بثمارها الإيجابية على دول الخليج العربي. لذلك فعلى دول الخليج أن تقدم مشروعها الاقتصادي لدعم مصر في هذه المرحلة بالذات كما فعلت الولايات المتحدة عندما قدمت مشروعها الاقتصادي المعروف بمشروع مارشال لدعم أوروبا لاسيما الغربية منها من توغل الفكر والنفوذ الشيوعي فيها بعد الحرب العالمية الثانية، وهو الأمر الذي نجحت فيه واشنطن بشكل مذهل.
فعلى دول الخليج العربي أن لا تستمع إلى بعض الأفكار المغرضة التي لا تريد للمشروع الخليجي الحضاري القائم النجاح والاستمرار، وإنما عليها السير وبشكل قوي نحو إنجاح مصر وإخراج المشروع الإخواني منها، وذلك بمشروع معونة خليجية سخية لا تنظر من خلالها إلى الربح والخسارة الاقتصادية وإنما تضع نصب عينيها الربح والخسارة السياسية والتي لا تقدر بثمن في عالم السياسية. فالنجاح الدبلوماسي يعتمد على اغتنام الفرص.
وفي إيران قال الشعب كلمته لغير صالح المحافظين بانتخابه وبشكل وحجم غير متوقعين للمرشح حسن روحاني كرئيس جديد لإيران. إيران ومنذ مجيء النظام الثوري فيها وعلاقتها مع دول الخليج العربي على صفيح من نار، رغم أنها كانت في بعض الفترات أقل توتراً عن فترات أخرى لاسيما في أثناء رئاسة هاشمي رفسنجاني ورئاسة محمد خاتمي.
إلا أن حالة التوتر منذ مجيء الرئيس المنتهية ولايته محمود أحمدي نجاد تصاعدت بشكل واضح مع التدخلات الإيرانية في الشأن الخليجي بشكل خاص والعربي بشكل عام، والتأجيج الطائفي في المنطقة، والتهديد بالإضرار بأمنها واستقرارها، والسعي نحو الإخلال بالتوازن العسكري لصالحها من خلال العمل على امتلاك السلاح النووي. فالعلاقة بين الطرفين الخليجي والإيراني في أسوأ حالتها في الوقت الراهن، وهو ما لا يصب في صالح أمن واستقرار المنطقة.
لذلك فإنه من المفترض أن تنظر دول الخليج العربي إلى قدوم الرئيس الجديد في إيران بنظرة متفائلة بعض الشيء، لا لشيء سوى لأن نبرة خطاب الرئيس الإيراني الجديد تحمل ـ على أقل التقدير ـ رغبة في فتح صفحة جديدة من التعاون بين إيران والعالم الخارجي بما فيها دول الخليج العربي، وهو في حد ذاته عامل مبشر بنقلة نوعية في العلاقة بين الطرفين.
بالطبع على دول الخليج أن تتبع نهج الحذر في التعامل مع إيران والانتظار حتى يبرز من قبل الرئيس الإيراني الجديد ـ بعد توليه منصبه رسمياً الشهر المقبل ـ ما يمكن أن يعطي مؤشرات واضحة لتغير إيراني في التعامل مع دول المنطقة.
وإذا ما حدث ذلك فإن على دول الخليج استثمار تلك المؤشرات نحو فتح قنوات تواصل جديدة مع إيران من شأنها العمل على تطوير العلاقات بين الطرفين ووضع حد لنقاط الخلاف بينهما، حيث إن حالة الخلافات القائمة لا يمكن أن يوضع لها حد من دون تحرك الطرفين لإيجاد صيغ تعاون بينهما، ولعل الأفكار نحو ذلك كثيرة. الوضع في العلاقة مع إيران بالنسبة لدول الخليج العربي بسيط للغاية، فإيران إذا ما تم التعامل معها كعدو فإنها تصبح عدو، لذلك وجب الحذر من ذلك.
هي اللحظة الخليجية إذاً، ولكن هذه اللحظة لا يمكن أن تنجح في حالة غياب التوافق الخليجي على السياسة والاستراتيجيات المتبعة لتحقيق المصلحة الخليجية. دول الخليج بحاجة إلى أن تعمل بشكل مشترك لاستثمار هذه اللحظة لتصبح بحق لحظة خليجية لاسيما وأننا نتحدث عن التعامل مع ملفين كبيرين للغاية وهما الملف المصري والملف الإيراني.