الـ"برزم" أداة زجاجية شفافة تكسر الضوء يطلق عليها باللغة العربية مسمى "موشور" استخدمها عالم الفيزياء الإنجليزي الشهير إسحاق نيوتن مطلع سبعينيات القرن السابع عشر ليبرهن بأن الضوء الأبيض مُركب من ألوان عديدة، وبعبارة أخرى فإن هذه الأداة تستخدم في مختبرات الفيزياء لتحليل الضوء إلى مركباته.

أما الـ"برزم" الآخر الذي عكر صفو العلاقات بين شاطئي الأطلسي مؤخراً فهو برنامج تستخدمه وكالة الأمن القومي الأميركي لتحليل البيانات التي تحصل عليها عندما تتسلل إلى مواقع الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي وتتجسس على البريد الإلكتروني وعلى مواقع الهواتف النقالة في جميع أرجاء العالم.

ما كشفه أدوارد سنودن المتعاقد السابق للعمل في وكالة المخابرات الأميركية والعالق في أحد مطارات موسكو من وثائق نشرتها صحيفتا واشنطن بوست الأميركية والغارديان البريطانية عن قيام وكالة الأمن القومي الأميركي بالتجسس على بعثات دبلوماسية تابعة للاتحاد الأوروبي وعلى ملايين المواطنين الأوروبيين، أثار غضباً عارماً في أوروبا وكهرب العلاقة بين الحلفاء.

الرئيس الأميركي المُحرج خفف من وطأة ذلك بالقول: "إن ما جرى ليس تجسساً وإنما جمع معلومات تخدم أمن الولايات المتحدة"، في حين قال رئيس لجنة الاستخبارات في الكونغرس الأميركي: "إن البرنامج التجسسي "برزم" الذي تستخدمه وكالة الأمن القومي ساعد الحكومة الأميركية على تفادي عملية إرهابية ضخمة كانت تستهدف مترو الأنفاق في نيويورك عام 2009".

أما وزير الخارجية الأميركية جون كيري فقد برر ما تقوم به بلاده لنظيرته الأوروبية كاثرين آشتون قائلاً: "السعي للحصول على معلومات حول دول أخرى ليس أمراً غير معتاد".

على الجانب الآخر من الأطلسي، أدان البرلمان الأوروبي بتأييد 483 نائباً ومعارضة 93 عمليات "التجسس" هذه، مطالباً واشنطن بتوضيح حول هذه الممارسات، وذهب بعض هؤلاء النواب إلى القول بأن ما حدث هو فضيحة في تأريخ العلاقات الأوروبية الأميركية.

الحقيقة أن ردود الأفعال الأوروبية مبالغ بها إذ لا أحد يجهل حقيقة أن جميع دول العالم تقوم بالتجسس أو جمع المعلومات، لأسباب تتعلق بأمنها، عن قضايا حيوية تخص الدول الجوار أو الدول الأبعد أو الدول الأكثر بعداً أو دول العالم أجمع وذلك حسب حجم الدولة وحجم مصالحها الإقليمية أو الدولية.

 فالولايات المتحدة ليست فقط الدولة التي تمتلك أفضل أسطول حربي جوي وأضخم أسطول قتال بحري ولديها أقوى جيش بري في العالم وأكبر اقتصاد وهي الدولة الأكثر تقدماً علمياً وتكنولوجياً، بل أنها كذلك الدولة التي تمتلك أضخم وأعقد أجهزة التجسس في العالم يمكن من حيث المبدأ أن تُسلط على الأصدقاء وعلى الأعداء في الوقت نفسه وأن تسلط على تحركات الشعب الأميركي وعلى شعوب العالم أجمع.

إلا أن الفضيحة الحقيقية هي التي طالت الشركات العملاقة التي تتعامل بتكنولوجيا المعلومات والتي تتمتع بهيبة واحترام كبيرين مثل مايكروسوفت وأبل وغوغل وياهو وفيسبوك ويوتيوب وغيرها.

حيث قامت "الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان" و "رابطة حقوق الإنسان"، وهما جمعيتان تدافعان عن حقوق الإنسان، بتقديم شكوى لتوضيح دور هذه الشركات في الفضيحة التي أثارها برنامج "بريزم" المعلوماتي للتجسس.

فقد ذكر أحد محامي المنظمتين، "إن هذه الشركات قد وضعت في أوقات مختلفة خوادمها تحت تصرف مكتب التحقيقات الفيدرالي والوكالة الوطنية للاستخبارات في الولايات المتحدة حتى تتمكنا من جمع كافة المعلومات عن مستخدمي هذه الخوادم".

وفرت تكنولوجيا المعلومات وسهولة التواصل الإلكتروني عبر الشبكات وسائل رائعة وسهلة في متناول الجميع للقاء الأفراد والمجموعات لإجراء الحوارات أو تبادل الرسائل والمعلومات على مختلف المستويات.

كما وفرت في الوقت نفسه لأجهزة المخابرات في الدول كافة وسائل فعالة للتعرف على سلوكيات الأفراد وطرائق تفكيرهم ورصد ما يمكن أن يشكل خطراً على الأمن من خلال استخدام برمجيات معقدة ذات طابع سري يسمح لمستخدميها الدخول إلى خصوصيات المشتركين في الإنترنت والمحميين بحسابهم الخاص ومفتاحه السري.

عالم الإنترنت عالم كبير قائم بذاته، فقد تجاوز عدد حسابات البريد الإلكتروني حتى نهاية عام 2012 في العالم 4.3 مليارات مشترك، وزاد عدد المشتركين في شبكات التواصل الاجتماعي على 2.4 مليار مشترك، ويجري تبادل ما يزيد على 144 بليون رسالة في اليوم الواحد بمعدل قدره 1.6 مليون رسالة في الثانية الواحدة.

ومن المتوقع أن يبلغ عدد المشتركين بالهاتف النقال 6.6 مليارات مشترك نهاية العام الجاري وذلك استناداً إلى المعلومات الواردة في التقرير الذي نشرته شركة أريكسون السويدية في ديسمبر من العام المنصرم.

المواقع التي تكتظ بها الإنترنت تثير فائق الاهتمام والفضول لأنها مجتمعات من نوع خاص جداً لم يألفه علم الاجتماع، ففي هذه المواقع حشود بشرية هائلة العدد تتواصل فوراً حول أية قضية، وقد تعرف العالم أجمع على خطورة هذه الحشود وعلى الدور الذي لعبته في الربيع العربي، ومن البديهي في ضوء ذلك أن تعمل أجهزة المخابرات في جميع دول العالم، بلا أي استثناء، على أن لا تترك هذه الحشود دون رقيب.

فلم يعد الاعتماد على المصادر البشرية، الجواسيس والعملاء، لجمع المعلومات عملية مجدية وفعالة في العصر الحالي بل أصبح الاعتماد بالدرجة الرئيسية على الوسائل الإلكترونية المتطورة والملائمة لما يجري من تطور. طالما أثار موضوع خصوصية الإنسان وحقوقه في الاحتفاظ بهذه الخصوصية الكثير من النقاش حول حجم التعارض بين المصلحة العليا للدولة في المحافظة على أمنها وبين التجاوز على خصوصية الفرد.

القوانين في أي بلد تجيز للشركات، بل تلزمها، الإفصاح عن بعض خصوصيات من يتعامل معها فقط في حالة حاجة الجهات القضائية لذلك لحسم قضية لها صلة بذلك، أما ما خلا ذلك فهو ليس قانوني ولا يمكن تفسيره بغير التجاوز والتعارض مع حقوق الإنسان.

في هذا الصدد صرح مسؤول بارز في البيت الأبيض قائلاً "إن البرنامج السري لوكالة الأمن القومي الذي يستخدم للرقابة على المواقع الإلكترونية لا يسمح باستهداف أي مواطن أميركي أو أي شخص داخل الولايات المتحدة". وهكذا أعفى هذا المسؤول الإدارة الأميركية من تهمة التجاوز على صلاحياتها القانونية، فمراقبة غير الأميركيين، أوروبيون أو غيرهم لا تتعارض مع القوانين الأميركية.