ما جرى فى سماء أوروبا الأسبوع الماضي فضيحة دولية بكل المقاييس وانتهاكا صارخا للقانون الدولي. فأن يتم إغلاق المجال الجوي عمدا من جانب أربع دول فى وجه طائرة رئاسية، تخص إيفو موراليس، رئيس بوليفيا، حتى يكاد ينفد وقودها فتضطر للهبوط الاضطراري.

وأن يظل رئيس دولة ذات سيادة عالقا لمدة أربع عشرة ساعة فى مطار فيينا، لإجباره على تفتيش طائرته، انما يمثل انتهاكا صارخا للحصانة الممنوحة للرؤساء وطائراتهم وفق القانون الدولى، ويعتبر إهانة لدولة فى شخص رئيسها. أما السبب وراء كل ذلك، فكان عبارة عن "شكوك" فى أن الطائرة الرئاسية البوليفية تحمل على متنها إدوارد سنودن المواطن الأمريكي الذي فجر فضيحة التجسس الأمريكي على العالم.

والشكوك، وهي فقط مجرد شكوك بالمناسبة، مبنية على أن الرئيس البوليفي فى زيارته لروسيا أعلن فى مؤتمر صحفي عن استعداد بلاده لمنح سنودن حق اللجوء السياسي، الذى هو بالمناسبة أحد الحقوق المنصوص عليها فى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. وما صرح به موراليس فى روسيا اعتبر كافيا لأن تشك أمريكا فى أن الرئيس البوليفي يحمل معه سنودن، الذى لا يزال فى روسيا، على متن الطائرة الرئاسية.

 وهذا الشك المبني على عدم وجود أي دليل كان لدى أمريكا كافيا لإقناع دول أوروبا بارتكاب ما ارتكبوه من إهانة رئيس دولة بهدف ردعه وردع أية دولة أخرى تسول لها نفسها منح اللجوء السياسي لسنودن.

لكن قصة ما جرى مع الرئيس البوليفي قصة مريرة لابد أن ينتبه لتفاصيلها شعوب دول الجنوب عموما بل ورؤساؤها. فهى سابقة خطيرة من الوارد أن تتكرر مع دول أخرى. وهي تنطوي على غطرسة بالغة وعنصرية لا تخطئها العين تلمسها مما حكاه الرئيس البوليفي بنفسه عما حدث له حين هم بالعودة لبلاده بعد حضور مؤتمر للطاقة فى روسيا.

فهو قال أن البداية كانت حين تم إخطاره قبل الإقلاع بأنه لن يتمكن من الهبوط فى البرتغال لأسباب تقنية. "والتي اتضح لاحقا أن لا علاقة للمسألة بأية أسباب تقنية" على حد تعبير الرئيس البوليفي.

وما إن قام فريق الطيارين الرئاسي بتدبير الهبوط فى فرنسا حتى عاد ليخبر الرئيس بأن تصريح الهبوط قد سحبته فرنسا. أما أسبانيا وإيطاليا فقد رفضتا فتح مجالهما الجوي للطائرة الرئاسية. ويقول مواراليس "كان الخيار الأول هو العودة لروسيا، لكن تلك كانت مخاطرة إذا ما نفد الوقود منا، فطلب طيار الرئاسة من النمسا السماح بالهبوط الاضطراري بسبب نفاد الوقود".

لكن ما حكاه الرئيس البوليفي عما حدث له على أرض النمسا بعد الهبوط الاضطراري يفوق الخيال. فقد جاء السفير الأسباني لدى النمسا إلى "المكتب الصغير" الذي استضاف رئيس بوليفيا فى مطار فيينا، وقال لموراليس أن بإمكانه المرور بالمجال الجوي الأسباني بشرط تفتيش الطائرة.

ووفقا للقانون الدولي فإن أية طائرة تابعة للشركة الوطنية لدولة ما تكون بمثابة جزء من أرض تلك الدولة، الأمر الذي يعني أن تفتيشها يعد انتهاكا لسيادة تلك الدولة، فما بالك بما إذا كانت تلك الطائرة تقل رئيس الدولة شخصيا.

وقد رفض موراليس تفتيش طائرته، ونفى وجود سنودن على متنها، لكن أسبانيا لم تصدق رئيس الدولة البوليفية، وظل سفيرها فى حوار مع نائب وزير الخارجية الأسبانية يذهب ويجئ بعد الاتصال به إلى أن طلب من موراليس الحديث لنائب وزير الخارجية هذا. بعبارة أخرى، رئيس دولة يقبع فى "غرفة صغيرة" بمطار دولة أخرى، وغير مسموح له بالمغادرة إلا بعد تفتيش طائرته، ثم يُطلب منه الحديث لشخص برتبة نائب وزير بدولة ثالثة!

المهم، غادر سفير أسبانيا التى اعترفت لاحقا بأنها طلبت إقرارا كتابيا من وزير خارجية بوليفيا بأن سنودن ليس على متن الطائرة واعترفت بأن تأخيرها مرور الطائرة الرئاسية البوليفية عبر مجالها الجوي "كان بناء على طلب من الولايات المتحدة الأمريكية".

المهم لم يسمح لموراليس بالإقلاع عائدا لبلاده إلا أن بعد أن فتشت النمسا الطائرة وتأكدت من عدم وجود إدوارد سنودن على متنها. أما شر البلية فهو اللغة الباهتة التي استخدمها الأمين العام للأمم المتحدة إزاء تلك الفضيحة الدولية حين وصفها بأنها واقعة "غير ملائمة" وأضاف أن "من المهم أن نمنع تكرارها فى المستقبل". (!)

أي غطرسة تلك التى عومل بها رئيس منتخب يحظى بشعبية كبيرة فى بلاده؟ وأى قرصنة تلك التى تنتهك كل القوانين والأعراف الدولية وتحاصر رئيس دولة أربعة عشر ساعة خارج بلاده بناء على مجرد شك؟ أما العنصرية فلم يعبر عنها أفضل من رئيسة الأرجنتين كريستينا كيرتشنر عندما قالت "تخيل لو أن ما جرى حدث لرئيس دولة أوروبية أو أنه حدث لرئيس الولايات المتحدة. من الأرجح أن حالة الحرب كانت ستعلن".

وأعلنت كيرتشنر أن أحدا لن يقبل "ذلك النوع من الإهانة لاي دولة فى أمريكا اللاتينية". وأضافت "حين يرى المرء ما جرى مع إيفو (موراليس) يشعر أن خمسة قرون لم تمر. فمثلما كان الحال قبل خمسة قرون، يريدون إخضاعنا للإهانة".

الجدير بالتأمل حقا هو أن ما جرى لرئيس بوليفيا، الذى ينتمى للسكان الأصليين فى أمريكا اللاتينية ،لا يتعلق فقط بغطرسة "الرجل الأبيض"، وانما يتعلق بالمدى الذى وصلت إليه أوروبا فى امتهانها لحقوق الإنسان رغم الطنطنة بها بمناسبة وبدون مناسبة.

فبدلا من التركيز على ما كشفت عنه الوثائق التي سربها سنودن من أن الولايات المتحدة تجسست على مكاتب "أصدقائها" فى الاتحاد الأوروبى فى كل من واشنطن وأوروبا، اختارت أوروبا أن تنتهك الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وأن تهين دولة أخرى لم تتجسس عليها يوما!