الاستراتيجية الأميركية للمرحلة المقبلة

تعود الوظائف إلى الاقتصاد الأميركي ببطء محبط، ومعظم هذه الوظائف الجديدة تعد رواتبها أقل من رواتب الوظائف التي فقدت في الكساد الكبير.

ويفترض القائلون بالحتمية الاقتصادية، أن العولمة والتقدم التقني يدينان بالضرورة قطاعا كبيرا من قوة العمل الأميركية، ويخضعانه للبطالة وللأجور الراكدة، بينما تتم مكافأة أولئك الذين حققوا أفضل تعليم وتمتعوا بأفضل اتصالات، بأجور وثروة متنامية.

يقول الكثيرون في يمين المشهد السياسي الأميركي، إننا ينبغي أن نقبل هذه النتيجة لأننا لا يجب أن نتدخل في السوق الحرة، والبعض على يسار هذا المشهد يقولون إننا ينبغي أن ننسحب من التجارة العالمية. وتريد قلة منا أن نصبح محطمين جددا للآلات، وأن نتوقف عن استخدام التقنيات الموفرة لقوة العمل. إن كلا الجانبين على خطأ، وهناك دول أخرى تعرضت لقوى العولمة والتغير التقني السريع، تحقق ما هو أفضل منا بكثير بالنسبة للعمال المتوسطين.

حتى وقت قريب، كانت ألمانيا تحقق أجورا متوسطة حقيقية أفضل، قبل أن تجتذبها إلى الأسفل اقتصاديات أوروبا القائمة على التقشف، وتواصل سنغافورة وكوريا الجنوبية القيام بذلك، وقد كان العمال الصينيون منطلقين في مد سريع من الأجور الأكثر ارتفاعا على مدى العديد من العقود.

وهذه الأمم تقوم الآن بتنفيذ استراتيجيات اقتصادية وطنية، لتحقيق وظائف جيدة وازدهار كبير، والولايات المتحدة لا تفعل ذلك. لم لا؟ لأننا ليست لدينا الإرادة السياسية لتنفيذ هذه الاستراتيجيات، وأيضا لأننا واقعون في فخ جمود إيديولوجي يرفض الإقرار بأهمية مثل هذه الاستراتيجية.

والمفارقة هنا هي أننا لدينا بالفعل استراتيجية اقتصادية وطنية، ولكن أملتها الشركات العالمية القوية و«وول ستريت»، وليس من المدهش أن هذه الاستراتيجية بدلا من أن تزيد وظائف معظم الأميركيين وأجورهم، مضت تزيد الأرباح العالمية وأسعار أسهم تلك الشركات العملاقة ومصارف «وول ستريت».

ما الذي تبدو عليه استراتيجية مصممة لزيادة الوظائف الأجور؟ ابتداء، فإن هذه الاستراتيجية ستركز على زيادة إنتاجية الأميركيين كافة، من خلال تعليم أفضل، بما في ذلك التعليم المخصص للطفولة الباكرة وتعليم عالٍ شبه مجاني.

من شأن هذا أن يقتضي ثورة في الكيفية التي نقوم من خلالها بتمويل التعليم العام، ومن قبيل الجنون أن الميزانيات المخصصة لتعليم من هم في الصف الثاني عشر على امتداد أميركا، على سبيل المثال، يأتي نصفها من الضرائب العقارية المحلية، في ضوء أننا منقسمون جغرافيا عن طريق الدخل. وعلاوة على ذك، فلا معنى للاعتماد على الديون الطلابية لتمويل التعليم العالي للشباب المنحدرين من العائلات متوسطة ومحدودة الدخل، وقد أسفر ذلك عن جبل من الديون التي لا يمكن تسديدها أو لن يتم تسديدها. وهذا التوجه يفرض بصورة زائفة، أن التعليم العالي هو استثمار خاص وليس نفعا عاما.

كذلك سيقتضي رفع إنتاجية الأميركيين كافة، قابلية أكبر للمحاسبة من قبل كل المدارس والجامعات في ما يتعلق بالنتائج الأفضل، ولكن ليس بالنتائج الأفضل في الامتحانات وحدها، فالمعيار المؤكد الوحيد لدقة الاختبارات هو القدرة على النجاح في الاختبارات القياسية، والاقتصاد الجديد يقتضي القدرة على حل المشكلات والتفكير الأصيل، وليس الإجابات المقولبة.

سيكون التعليم الأفضل مجرد بداية فحسب، حيث سيتعين علينا أيضا أن نقوم بإدراج عمال الخدمات ذوي الأجور المنخفضة في نقابات، لكي نعطيهم قدرة تفاوضية للحصول على أجور أفضل. ومثل هؤلاء العمال الذين يعملون في الغالب في سلاسل الأطعمة السريعة والمستشفيات وسلاسل الفنادق ومتاجر التجزئة الكبيرة، ليسوا معرضين للتنافس العالمي أو لخطر إحلال تقنيات محل قوتهم العاملة. ومع ذلك، فإن أجورهم وظروف عملهم تعد من بين الأسوأ على مستوى أميركا، وهم يمثلون بعضا من أسرع فئات الوظائف نموا.

سوف يتعين علينا زيادة الحد الأدنى من الأجور إلى نصف متوسط الأجر على الأقل، وتوسيع نطاق ائتمان ضريبة الدخل المكتسب، وسيتعين علينا أيضا إلغاء ضرائب الأجور على الخمسة عشر ألف دولار الأولى من الدخل، وتعويض النقص في الضمان الاجتماعي، برفع السقف بالنسبة للدخل الخاضع لضريبة الأجور.

سيتعين علينا أيضا أن نعيد هيكلة العلاقات بين الإدارة والعمل، وسيقتضي الأمر منا مثلا أن تقدم الشركات لعمالها أنصبة من أسهمها ومجالا أكبر في عملية اتخاذ القرارات الخاصة بالشركات، وأن تقوم الشركات بإنفاق 2% على الأقل من عائداتها، لرفع مهارات عمالها الأقل أجرا. ولسوف يتعين علينا أن نمنع الشركات من اقتطاع تكلفة تعويض المسؤولين التنفيذيين بما يتجاوز 100 ضعف متوسطه، في تعويض موظفيهم أو موظفي المتعاقدين معهم، وأن نمنع هذه الشركات من تقديم مزايا معفاة من الضرائب للمسؤولين التنفيذيين، من دون تقديم مثل هذه المزايا لعامليهم كافة.

 وسيتعين علينا كذلك أن نعيد تحويل النظام المالي إلى وسيلة لاستثمار مدخرات أميركا، بدلا من أن تكون «كازينو» للقيام بمراهنات كبيرة وخطرة، تفرض تكاليف على الآخرين بأكملهم عندما تسفر عن الخسارة، وهذا يعني تقليص حجم أكبر البنوك، وإعادة تفعيل قانون غلاس ــ ستيغال.

ليست هناك عصا سحرية لاستعادة الوظائف الجيدة، وليست هناك مخططات دقيقة لما ينبغي أن تكون عليه مثل هذه الاستراتيجية الوطنية، ولكننا ينبغي أن ندير مناقشة حية حولها. وبدلا من ذلك فإن القائلين بالحتمية الاقتصادية والداعين إلى أيديولوجية السوق الحرة، يحولون دون انطلاق مثل هذا الحوار.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات