وعادت مصر إلى حضن أبنائها الذين لا يعلون مصلحة الجماعة على مصلحة الوطن، ولا يختطفون الوطن من أجل مصلحة الجماعة، أبناؤها الذين يعرفون لمصر قيمتها العظيمة، ومكانتها الرفيعة، ودورها الذي يتسامى فوق مصالح الجماعات والفصائل، ويجعل منها المركز الذي تلتقي حوله كل الأطراف.

هكذا كانت مصر عبر تاريخها العريق، وهكذا ستبقى، حتى لو حاول البعض أن يخرجها عن هذا السياق، فإن هذا الخروج سيكون مؤقتا، لأنه ضد طبيعة مصر، وضد طبيعة أهلها، وضد دورها، لأن مصر، كما قلنا سابقا ونقول لاحقا، ليست ملكا لفئة أو جماعة أو فصيل بعينه.

مصر كانت، على مدى العام الذي مضى، خارج السياق والدور والتاريخ، لأن فصيلا معينا تصور أنه قد اختطفها إلى غير رجعة، وأراد أن يغير بوصلتها ناحية مصالحه، جاهلا أو متجاهلا أن مصر غير قابلة للاختطاف، وأنها قادرة على إغراق من يحاول اختطافها في نيلها العظيم، تماما مثلما فعلت مع فرعون موسى قبل آلاف السنين، ومثلما ستفعل مع كل من يحاول أن يكون فرعونا جديدا، حتى لو خلع عن وجهه مسوح الفراعنة، وارتدى مسوح أي ملة من الملل والأديان.

ولأن الشعب المصري هو منبع المواهب والملكات، ولأن ملكة الإبهار واحدة من ملكاته العظيمة، فقد استطاع أن يبهر العالم كله في الخامس والعشرين من يناير 2011، بثورته التي لا تشبهها ثورة في التاريخ، لكن هذه الثورة اختُطِفت من قبل فصيل كان دوره فيها محدودا ومتأخرا.

ولأن الشعب المصري طيب ونقي بطبعه، لكنه ليس غبيا، فقد ظن أن هذا الفصيل سيحفظ لمصر تاريخها، ويعرف لها دورها ومكانتها بين الشعوب العربية والأمم أجمع، لكن هذا الفصيل غابت عنه الصورة الكاملة، ولم ير أمامه سوى صورته وهو يصعد إلى قمة السلطة، فظن أن الفرصة التاريخية قد جاءته على طبق من ذهب.

وقد كانت فرصة تاريخية فعلا، لو أنه عرف كيف يتعامل معها ويوجهها لصالح الوطن والأمة، لا لمصلحته هو فقط، لكنه ضيع الفرصة، ومضى نحو حلمه، مغمض العينين، غير آبه بنصائح المراقبين للمشهد، حتى من الذين كانوا ينتمون إليه ذات يوم، ثم خرجوا عنه عندما رأوه يحيد عن الطريق السليم الذي تصوروا أنه سيسلكه.

ولأن الشعب المصري يمكن أن يمنح الفرص، لكنه لا يسمح بانتهازها لتحقيق مصلحة فصيل على حساب مصالح الوطن، فقد تنبه حس هذا الشعب لما يحاك له وللوطن، وظهرت ملكاته من جديد في الوقت المناسب، فكانت ثورة الثلاثين من يونيو 2013 لتعيد الأمور إلى نصابها.

 ومرة أخرى أبهر الشعب المصري العالم بثورة استحضرت مشهد الخامس والعشرين من يناير، وأضافت إليه ملامح جديدة أدهشت الجميع، وفاجأت أولئك الذين ظنوا أن الأمور قد استكانت لهم، وأن السلطة قد استقرت في أيديهم، فقالوا إن يوم الثلاثين من يونيو سيكون يوما مثل أي يوم، وإن الذين سيجتمعون في الميادين سينصرفون في آخر النهار ليناموا في بيوتهم، لأن المصريين يحبون النوم، حسب قولهم.

لكن يوم الثلاثين من يونيو لم يكن مثل أي يوم قبله، والذين أطلقوا مقولتهم تلك أثبتوا من جديد أنهم لا يعرفون الشعب المصري، لأنهم غريبون عنه، منفصلون عن واقعه، منسلخون عن طبيعته، فقد فاجأهم هذا الشعب مرة أخرى، وأثبت أنه قادر على التغيير، حتى لو اعتقد البعض أن الدنيا قد دانت له ولم يعد بإمكان أحد، كائنا من كان، أن ينتزعها منه.

كان الشعب المصري هذه المرة أكثر إبهارا، فقد خرجت مصر عن بكرة أبيها إلى الشوارع، وتجمعت في الميادين لتقول: "لا للهيمنة والاستحواذ والغرور".

ورفعت من جديد، في تناغم عجيب، لافتة "إرحل" التي رفعتها قبل عامين ونصف للنظام الذي أمضى ثلاثين عاما في السلطة، لكن "إرحل" هذه المرة لم تكن لشخص يتربع على الكرسي، كما حدث يوم الخامس والعشرين من يناير عام 2011، وإنما كانت لفكر منغلق لا يرى إلا نفسه، ولا يعترف بقوانين الحياة التي ترفض الفكر المنغلق، أيًّا كان مصدره، وتنحاز للتعايش بين الأفكار والأديان والمعتقدات والفصائل، مهما كان عددها وعدد أصحابها.

فشل الرئيس المعزول الدكتور محمد مرسي، في رأينا، ليس فشلا لشخص لم يعرف كيف يدير الأمور في دولة كانت أكبر من مقاسه ومقاس جماعته، ولا هو فشل لجماعة "الإخوان المسلمين" التي لم تقرأ المشهد جيدا، ولم تعرف كيف تستفيد من الفرصة التاريخية التي انتظرتها أكثر من ثمانين عاما عندما جاءتها على طبق من ذهب، وفي وقت لم تتوقعه، فانبهرت باللحظة، ولم تر من معالم المشهد سوى مشهد صعودها إلى سدة حكم أكبر بلد عربي، متناسيةً أن هناك تفاصيل أخرى هي التي صنعت هذه اللحظة، فكان أن أقدمت على الانتحار قبل أن تستمتع بقطف الثمار.

فشل الرئيس المعزول مرسي هو فشل للفكرة كلها، فكرة أن ينفرد فصيل دون غيره بغنائم الثورة ويقوم بتوزيعها على أهله وعشيرته، وهو فشل للمشروع الذي طالما ادعت جماعة "الإخوان المسلمين" أنها تحمله، لأن مصر بلد عريق، ذو حضارة ممتدة وضاربة في عمق التاريخ.

والذين يلغون التاريخ ويهتمون بالجغرافيا فقط يسقطون في مستنقع الفشل، وقد سقط الدكتور مرسي وجماعته سقوطا مريعا ومدويا، حتى لو حاولت الجماعة مقاومة هذا السقوط بكل الطرق والوسائل، وهو ما تفعله حاليا.. لأن شمس مصر التي عادت من ذهب، والذهب هو سيد المعادن الثمينة، دون منازع.