قنوات التلفزيون الرسمية الإسرائيلية مشغولة ضمن أولوياتها هذه الأيام ببث حملة دعائية سياسية، تهدف إلى استحثاث اليهود الشرقيين على تدوين وتوثيق كيفية مغادرتهم الدول العربية، تحت عنوان "أخبر ابنك".

صحيفة هآرتس تطرقت مؤخراً لهذه الحملة، وذكرت ما يوحى بأن القائمين عليها في حكومة نتنياهو استهلوها بعملية تضليل للمواطنين القدماء.. فالهدف المعلن للحملة، هو تحصيل ما في صدور يهود العالم العربي وذاكراتهم، بشأن تواريخهم وتراثهم ومدارات حيواتهم وما عانوه من "اضطهاد وتهميش واستغلال" قبل قيام إسرائيل، بالإضافة إلى الضغوط التي تعرضوا لها غداة هذا الإعلان بما ساقهم إلى "اللجوء" إليها.. لكن الهدف الحقيقي هو بقول هآرتس "ايجاد ورقة مساومة تفاوضية، وإدراج قضية للاجئين اليهود ضمن مفاوضات الوضع الدائم على المسار الفلسطيني".

القصد أن المفاوض الإسرائيلي يستعد ليس فقط لتصفية حق العودة الفلسطيني المرفوض كلياً لديه، وإنما يستبطن أيضاً التعامل مع احتمال المطالبة بالتعويض عن هذا الحق، عبر إجراء مقاصة تضيع بمقتضاها أملاك اللاجئين الفلسطينيين وعوائدها، لقاء أملاك يهود يزعم أنهم أجبروا على "اللجوء" لإسرائيل.

يدل على هذه النية، أن "أخبر ابنك" تدعو اليهود العرب إلى زيارة موقع الكترونى لنشر رواياتهم، غير أن الزائرين يفاجأون بوجود استمارة توجههم الى كيفية المطالبة بما كانوا يمتلكونه قبيل مغادرتهم إلى إسرائيل.

لن نستطرد هنا للأدبيات القانونية وقرارات التنظيم الدولي، التي تبرز وتبرر عدم انطباق مفهوم "اللجوء القسري" على المهاجرين اليهود من العالم العربي أو من أية عوالم أخرى الى إسرائيل.

ما نبغيه حقاً هو لفت الانتباه الى ضرورة أن لا يتحرج العرب والفلسطينيون من حملة كهذه، شريطة أن تخلو من الكذب والبهتان، وأن يعمد الأجداد والآباء الى قول الحقيقة ولا شيء غير الحقيقة الى الأبناء. وهو ما لا نتوقعه من رعاة الحملة ولا من المستجيبين لها.

فلو كانت مقاصد الداعين للحملة وقلوبهم سليمة، لما بدأوها بإخفاء هدفها المضمر وهو البحث عن حجم الأموال، التي يفترض أن القوم تركوها أو لم يتركوها خلف ظهورهم. ذلك أن السرد التوثيقي للسير الذاتية من شأنه أن يقود تلقائياً الى استحضار مثل هذه الجزئية.

ثم أنهم يبدون كالمريب الذى يكاد يقول خذوني، عندما يساوون تقريباً بين عدد اللاجئين الفلسطينيين في سياق نكبتهم الوطنية وبين عدد اليهود العرب الذين هاجروا إلى إسرائيل، وكذا عندما يقدرون أن قيمة أملاك اليهود العرب تساوي وزيادة قيمة أملاك اللاجئين الفلسطينيين!.

ونحسب أن الشريحة اليهودية المقصودة بهذا الخطاب، سوف تتجاوب معه، حتى وإن أدركت مستوى التضليل الذي يعتوره. فالإغراء المطروح حول التعويضات المأمولة يبدو مثيراً للشهية ومسيلاً للعاب، بالقدر الذي يحفز الذاكرة المالية والمادية لهذه الشريحة، ويجعلها تبسط روايات تتفق مع ما تعتقد أنها فرصة لابتزاز الجانب العربي عموماً. هذا يعني أن اليهود العرب ربما آثروا الاصطفاف خلف المنظور الحكومي الإسرائيلي لقضيتهم، على الرغم من يقينهم بأنه منظور فاسد قانونياً ومفتعل فكرياً وسياسياً ومفارق للحقائق التاريخية.

في كل حال، نحن نفترض أن اليهود العرب لا يستطيعون إخبار أبنائهم بالقصص الحقيقية لمغادرتهم دولهم الأم. هذا وإلا أسهموا بشهاداتهم في تقويض الأسس الحقوقية والسياسية اللازمة لاستقامة مفهوم اللجوء مع حالتهم، وما يترتب عليها من دعاوى التعويض التي تلهب الخيال.

ففي هذه القصص ما يؤكد أن الصهيونية، الحركة ثم الدولة، هي التي خططت لاستفزازهم وسوقهم نحو الهجرة، وأنها أفلحت في مسعاها مع البعض عبر أنشطة أيديولوجية ودعائية وإعلامية ومساومات سياسية ودبلوماسية، بينما استخدمت مع البعض الآخر أساليب استخبارية وإرهابية بحتة تضمنت إثارة الفزع والخوف الفئوي الجماعي.

عواجيز اليهود العرب، ولاسيما المفتونين منهم بوعود التعويضات، لا يسعهم بسط هذه الحقائق أمام أبنائهم، ولا البوح بأنهم عجلوا بالرحيل طوعاً تحت غواية نداء أرض الميعاد.. أما الذين سيدعون الفرار من اضطهاد تعرضوا له في المواطن العربية، فلن يعترفوا بأنهم فضلوا الحل الصهيوني الانعزالي العنصري على مشاركة مواطنيهم العرب في الكفاح ضد الاستعمار الخارجي والاستبداد الداخلي، اللذين وقعا عليهم وعلى غيرهم سواء بسواء.

وأغلب الظن أنهم لن يعترفوا بأنهم أصبحوا في إسرائيل مواطنين من الدرجة الثانية في مقابل ذوي الحظوة من جماعة الاشكناز الغربيين.

كما لن يتهكموا من خرافة الحديث الصهيوني عن ضمان إسرائيل لأمنهم وراحة بالهم إلى الأبد، فيما هم الآن، مع مستوطني هذه الدولة، أضحوا آخر من يحق لهم الادعاء بميزة الأمن بين خلق الله من اليهود في جهات الدنيا كلها.

ولن يجهر بعضهم في الاستمارة إياها بما يجول في خواطرهم من أحانين إلى زمن الثقافة العربية الأم، حتى إنهم أحياناً يتسامرون في بيوتهم بالعربية، ويفضلون الاستماع إلى تراثها الغنائي الذي طالما شنف أسماعهم صغاراً.

لهذا ومثله، فالأرجح أن أبناء اليهود العرب في إسرائيل سوف يستقبلون عن الأجداد والآباء تاريخاً مغشوشاً يروي أسوأ القصص.