في أجواء الفوضى التي خلفها الربيع العربي هنا وهناك وتعثره في إيجاد بدائل للأنظمة التي أسقطت، لعل من الضروري التطرق إلى الرؤى التي تتعلق بالركائز الأساسية لبناء الدولة الحديثة، وعن مدى قدرة القيادات الجديدة على الأخذ بها أو مراعاتها. فدول الربيع العربي باتت ساحات حقيقية لمختلف أنواع الصراعات، بعضها مستجد والبعض الآخر كان متواريا في جلابيب الأنظمة الشمولية التي أسقطت. وقد أصبحت هذه الصراعات عوامل إعاقة حقيقية أمام بناء الدولة الجديدة، بما يتفق مع أحلام الجماهير الشبابية التي قادت التغيير.
نُشرت دراسات عديدة لمقاربة معضلات هذه المرحلة وتحليل الأسباب التي أدت إلى سقوط عدد من الأنظمة، إلا أننا نرى أن جميع ما ذُكر من أسباب يتفرع في الحقيقة عن سبب جوهري واحد، وهو الخلل في علاقة الدولة بالمواطن، وعدم قدرة الأنظمة الحاكمة على تقويم هذا الخلل، أو عدم رغبتها في ذلك، لأسباب قد تكون ذات صلة بمصالح فئوية أو رواسب ثقافية أو تاريخية، أو بفعل تأثيرات إقليمية أو دولية. وكان لهذا الخلل الذي تراكمت تداعياته على أمد طويل، أن يصبح معولا لهدم هذه الدول في ظل ظروف إقليمية ودولية أنضجت عوامل التمرد الشعبي، وشجعته ليصبح الطريق سالكا أمام التغيير.
إعادة بناء الدولة مَهمة تحظى بأقصى درجات الاهتمام من قبل المختصين بالعلوم السياسية وبعلم الاجتماع، وهي ليست مهمة سهلة حيث تتشابك فيها محاور عديدة ترتبط بالسياسة والاقتصاد، وتتعلق بخصائص المجتمع والثقافة السائدة فيه، وبالتوازنات الإقليمية والتأثيرات الدولية، وهي قضايا لا يتحكم فيها الحاضر وحده. فمنطقة الشرق الأوسط تشهد حضورا دائما لقضايا التاريخ، وهي قضايا تعرض الكثير منها للتشويه من قبل جهات لها مصلحة في إدامة أنماط فكرية وسلوكية تكرس الفرقة والاحتراب، وهي على أية حال ليست جهات ضعيفة، بل مؤسسات ذات جذور عميقة يهمها أن تديم نفوذها وتوسعه.
ترك سقوط هذه الأنظمة فراغا سياسيا كبيرا، فالقيادات الجديدة التي انبثقت عن التغيير ليس لها تصور واضح عن شكل الدولة الجديدة. كما أن شعبيتها موضع تساؤل، فبعضها لا يمتلك جذورا عميقة داخل البلد، بعد سنوات طويلة قضاها في المنافي، في حين أن بعضها الآخر لا يحظى بقبول الأوساط الجماهيرية، لأنه سبق له أن كان جزءا من النظام الذي أسقط، ولم تغادره إلا في مرحلة بدأ فيها بالتآكل أو حين أصبح على وشك الانهيار.
من أجل وضع اللبنات الأساسية لنموذج للدولة الجديدة يتسم بالواقعية وتتوافر له فرص النجاح، ينبغي أن يستند إلى أسس علمية موضوعية، بعيدأ عن الأحلام الرومانسية التي كلفت حركات أيديولوجية وسياسية في الماضي، الكثير من الانكسارات التي لا يزال من انتسب إليها يعاني من تداعياتها.
نتطرق إلى تعريفين بسيطين كمدخل لمقاربة الموضوع، ففي تعريفنا للوطن لا يسعنا سوى تكرار ما لا يختلف عليه اثنان، وهو أنه قطعة الأرض التي ينتمي إليها ويمتلك حقوق التصرف بالثروات التي تقبع فوقها وتلك التي تكمن في جوفها، من ينتمي أو انتمى إليها، وهو المواطن الذي يمكن تعريفه بأنه كل من ولد على هذه الأرض أو هاجر إليها عبر الوسائل المشروعة، وتقبل دستورها وقوانينها وتقاليد مجتمعها، واستطاع التعايش معها إيجابيا. هؤلاء المواطنون ليسوا أناسا متشابهين في المشارب والمآرب، فلهم جذور مختلفة في الانتماء العرقي أو الديني أو الطائفي أو القبلي، تميزوا به وتوارثوه، بغثه وسمينه، عبر قرون عديدة من الزمن، وليس أمام من يعمل على وضع النموذج الجديد للدولة، غير احترامه وأخذه في نظر الاعتبار ليكون لكل هؤلاء متسع في النموذج الذي يضعه.
ثمة أمر آخر لا مفر من التطرق إليه في هذا السياق، وهو الطبيعة البشرية وغرائزها. فنموذج الدولة الذي له فرص في النجاح لتحقيق تنمية اقتصادية وتوفير حياة كريمة للشعب، ينبغي أن يأخذ في الاعتبار الطبيعة البشرية العامة، وليس طبيعة البعض الذي قد يسمو في سلوكياته إلى مراتب مثالية لا تصلح أن تكون نموذجا لبناء نظام سياسي واقعي. فالطبيعة البشرية، غريزيا، وفق المذهب الواقعي، ليست خيرة وإنما أنانية تنافسية. فالإنسان محب للتملك والاستحواذ، معني بنفسه أكثر من عنايته بغيره وبمجتمعه، يتسم سلوكه بخاصية تنازعية، إلا حين تتوافر ظروف تسمح له بالتعايش المؤسس على المصالح.
ورغم الصعوبات التي تحيق بمهمة إعادة بناء الدولة، إلا أن هناك ما يساعد على تيسيرها، فلدينا التراث الإنساني المُجرّب في بناء الدولة، نجاحا أو إخفاقا. ففي متناول أيدينا ملفات تتحدث عن النجاحات في بناء الدولة وتحقيق السلم الأهلي والتنمية الاقتصادية والرفاهية، وملفات أخرى تتحدث عن الإخفاقات وعن سجلات الفشل والمآسي، بسبب الاحترابات الداخلية والصراعات القبلية والقومية والدينية والمذهبية.
النظام الديمقراطي هو المطلب الأكثر شعبية في الأوساط الجماهيرية، وهو ما أعربت القيادات الجديدة عن تمسكها به، إلا أن العائق الحقيقي أمام ذلك هو الالتباس في معنى الديمقراطية، فقد تركزت العناية على الآليات وليس على الجوهر. تحقيق الديمقراطية يتطلب سيادة فضاءات فكرية تكمن حرية الإنسان وحقوقه في قلبها، وتتعزز فيها نزعة التوجه نحو تغيير البنى الفكرية والبنى المجتمعية التي تنبثق عنها، لصالح قيم الحرية والمساواة وعدم التمييز على أسس العرق أو الدين أو المذهب أو الأصل أو اللون أو الجنس، فضاءات تتمتع فيها المرأة بكامل الحقوق المدنية، تشريعا وممارسة.
أحلام الجماهير الشبابية التي أسقطت الأنظمة القمعية في تونس ومصر وليبيا، قد تبخرت عندما اصطدمت بمصالح الطبقة المحافظة في المجتمع، التي تستمد قوتها ونفوذها من الثقافة السائدة وتقاليدها فكرا وسلوكا، وهي ثقافة انشدادها للماضي الذي يعيق تطلعاتها نحو المستقبل. وقد حرصت هذه الطبقة، لضمان تسلطها وهيمنتها، على تأمين تسلل نفوذ هذه الثقافة إلى حيثيات الدساتير الجديدة.
هكذا وُضعت معالم الدولة الجديدة في الربيع العربي وبقيت المشكلة الأساسية قائمة، مشكلة الخلل في علاقة الدولة بالمواطن.. فقد أفرغت الديمقراطية من محتواها الإنساني، واختزلت بآليات العملية الانتخابية.