زيارة أوباما لإفريقيا في أهدافها وخطابها، تؤكد على استمرار النهج الإمبراطوري الأميركي تجاه القارة، حتى في ظل رئيس ذي أصول إفريقية. فأوباما لم يخرج، منذ توليه الحكم، من أسر المنظومة نفسها التي انخرط فيها كل رئيس أميركي قبله.
ففي عهد أوباما، جرى تجاهل إفريقيا، والنظر إليها بالمنظور الأمني نفسه، الذي يقوم على العسكرة من ناحية والانتفاع بثروات القارة من ناحية أخرى. فبعد أن كان الاهتمام بإفريقيا يأتي من منظور الحرب الباردة، صار الاهتمام بها يأتي من منظور أمني وتجاري.
وقبل الحديث عن العسكرة واستغلال ثروات القارة، تجدر الإشارة إلى أن أميركا حين تقول «إفريقيا» فهي لا تعني القارة الإفريقية ككل، وإنما تعني إفريقيا جنوب الصحراء فقط. وبهذا «المعنى الأميركي»، يكون أوباما قد زار القارة مرة واحدة فقط طوال فترة رئاسته الأولى، حين زار غانا في 2009، أما زيارته لمصر فهي لا تعتبر زيارة «لإفريقيا»!
على أية حال، ظلت العسكرة والانتفاع بثروات القارة محور السياسة الأميركية في العقدين الأخيرين. فالقيادة العسكرية الأميركية في إفريقيا، والمعروفة باسم «أفريكوم» تم إنشاؤها في عهد بوش عام 2007، لتكون من أهم أعمدة السياسة الأميركية في القارة.
وتلك القيادة موجود مقرها بالمناسبة في ألمانيا، لا في القارة! لكن أوباما، الرئيس ذا الأصول الإفريقية، أضاف بعداً جديداً للعسكرة باستحداث قاعدة في النيجر لانطلاق الطائرات من دون طيار، والتي استخدمت في عدد من الدول الإفريقية، على رأسها الصومال ومنها ليبيا.
أما الثروات الإفريقية، فهي في الحقيقة التي جاءت بأوباما للقارة. فالصعود الاقتصادي والتحول السياسي الذي حققه عدد من الدول الإفريقية، من شأنه أن يفتح آفاقاً واسعة لمزيد من الصعود للقارة.
لكن الصين، التي تعتبرها الولايات المتحدة خصمها الرئيسي، قد سبقت أميركا إلى إفريقيا، كما سبقتها أيضاً الهند، بل وماليزيا التي فاقت استثماراتها في إفريقيا الاستثمارات الصينية.
وزيارة أوباما مرتبطة في الأساس بمنافسة الصين على موارد إفريقيا، وتقدم أميركا نفسها باعتبارها صاحبة «نموذج للشراكة» أفضل من ذلك الذي تقدمه الصين، لأنه لا يقوم فقط على الاستثمار كالصين، وإنما يقوم أيضاً، كما تقول إدارة أوباما، على دعم الديمقراطية وحقوق الإنسان في دول القارة.
غير أنه ليس هناك وقت أسوأ من الفترة الحالية لإقناع الأفارقة بحكاية «النموذج الأفضل» تلك، فممثلو الولايات المتحدة حول العالم يجدون أنفسهم في موقف دفاعي بشأن الديمقراطية وحقوق الإنسان، بعدما تبين أن أميركا تتجسس على العالم كله.
والأفارقة لم ينسوا بعد ما جرى في ليبيا، وهو ما كان محوراً من محاور الخلاف مع رئيس جنوب إفريقيا. بل إن هناك مجموعة من هيئات المجتمع المدني في جنوب إفريقيا أعربت عن رفضها لزيارة أوباما، وتقدمت بطلب رفضته المحكمة بتوقيف أوباما باعتباره مجرم حرب.
والحقيقة أن زيارة أوباما لإفريقيا لا يمكن أن تنفصل عما يجري داخل الولايات المتحدة نفسها، فالتجاهل الأميركي لإفريقيا بدا واضحاً في المؤتمر الصحافي المشترك، الذي عقده أوباما مع الرئيس السنغالي ماكي سال. فالصحافيون الأميركيون لم يسألوا رئيسهم سؤالاً واحداً طوال المؤتمر عن العلاقة بإفريقيا، وإنما جاؤوا معه إلى داكار لسؤاله عما يجري داخل أميركا، سواء بخصوص قانون الهجرة أو هروب سنودن، حتى إن أوباما في إجابته عن السؤال الأخير، اضطر إلى أن يتحدث عن أسباب زيارته دون أن يسأله أحد.
أكثر من ذلك، فمن أراد متابعة زيارة أوباما عبر الإعلام الأميركي، لا بد أنه لفت انتباهه أن أخبار الزيارة ظلت قليلة للغاية وتأتي في صفحات داخلية، ولم تركز على العلاقة بالقارة بقدر ما ركزت على زيارة الرئيس لمواقع تاريخية ولأسرة مانديلا.
وما قاله أوباما عن أسباب الزيارة، له دلالة بالغة تتعلق بالمسألة العرقية في أميركا، لا بالعلاقة بإفريقيا.
فالكلمات التي اختارها الرئيس، غريبة تماماً عن الأصول الدبلوماسية المتبعة في الزيارات رفيعة المستوى. فمن الطبيعي أن يزور رئيس إحدى الدول دولة أخرى لأسباب تتعلق بمصلحة بلاده ولا شيء غيرها، لكن الرؤساء لا يقولون ذلك بالطبع، وإنما يستخدمون لغة دبلوماسية تتحدث عن «العلاقات التاريخية الوثيقة» و«الأواصر التي تربط البلدين»، أو يتحدث على أقصى تقدير عن «المصالح المشتركة».
وهذا بالضبط ما لم يفعله أوباما، فهو ابتعد تماماً عن تلك اللغة الدبلوماسية، وتحدث عن إفريقيا ككتلة واحدة، وقال نصاً: «إن السبب وراء زيارتي لإفريقيا هو الصعود الإفريقي، فمن مصلحة الولايات المتحدة، لا مجرد مصلحة إفريقيا، ألا تفوت الفرصة لتعميق ودعم شراكاتها وآفاق علاقاتها هنا، فهذه قارة تتقدم، وهي قارة شابة وحية ومليئة بالطاقة، وهذا ما يجعل الكثير من الدول الأخرى تمضي الكثير من الوقت هنا».
بعبارة أخرى، يقول لسان حال الرئيس الأميركي ببساطة، إنه لولا أن إفريقيا صارت صاعدة بشهادة الدول الأخرى التي تتنافس فيها، لما انتبهنا إليها.. فقد حضرت من أجل الحصول على نصيب من الكعكة الإفريقية! ولا يوجد رئيس في العالم يشكر مضيفيه على حرارة الاستضافة، ثم يقول لهم إنني جئت لآخذ نصيب بلادي من الكعكة قبل أن يستولي عليها كلها آخرون! وتلك كلمات لا يمكن أن تكون موجهة للمضيف، وإنما هي موجهة للداخل الأميركي بتعقيداته وعنصرية بعض قطاعاته.
فالرئيس اتخذ موقفاً دفاعياً لأنه جرؤ وزار إفريقيا، فالزيارة مطلوبة، إذ لا يجوز لأول رئيس من أصول إفريقية أن يتجاهل القارة، لكن لأنه من أصول إفريقية، فقد صار عليه أن يؤكد أنه يزور القارة لمصلحة أميركا، لا لمصلحة إفريقيا!
باختصار، فإن المنظومة الإمبراطورية، فضلاً عن تعقيدات المسألة العرقية في أميركا، تعني أن الأمل في تحول حقيقي في علاقات أميركا بإفريقيا، يكاد يكون سراباً.