كذب المنجمون ولو صدقوا" عبارةٌ لا تنفك تمر ببالي كلما سمعتُ متنبئاً بمستقبل يتفلسف وينثر توقعاته المتسرّعة حتى وإنْ اعتمر قبعة المعرفة، فرئيس شركة IBM توماس واتسون قال عام 1943 :"أرى أن هناك سوقاً لخمسة أجهزة كومبيوتر في المستقبل!"، ثم ما لبث متنبئ آخر هو كين أولسن مؤسس إحدى شركات التقنية أن قال عام 1977 إنه "لا يرى سبباً لكي يمتلك أحدٌ كومبيوتراً في منزله "!

وكم هو مضحك أنّ الكمبيوترات لم تَغْزُ كل بيت فقط، بل كل جيب، فلا يخلو جيبٌ أو يدٌ من كمبيوتر على شكل هاتفٍ ذكي، ولم يحمل سوق المستقبل خمسة أجهزة فقط بل خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة باعت Apple 200 مليون جهاز أيفون5، بينما من سكان العالم البالغين قرابة السبعة مليارات هناك 5.1 مليارات انسان يملك هاتفاً خلوياً بينما 4.2 يملكون فرشاة أسنان، هنا قد يقول قائل، كم هم الناس الذين يفتقدون لنظافة أسنانهم، بينما قد يقول آخر ذو بُعدٍ مختلف: بل هناك سوقٌ هائلة لبيع فرشاة الأسنان!

النقطة الفاصلة هنا بين الناجحين والفاشلين هي في كيفية تشكيل المستقبل، هل تنتظره ليأتي بمفاجآته ومتناقضاته لتُشْغِل نفسك ومؤسستك بردود أفعال تجاه تلك المفاجآت وتعمل دون توقف بسياسة "إطفاء الحرائق"، أم تعيد بنفسك تفصيل ذلك المستقبل كما تريد حتى تقف على قدميك على أرضية صلبة عندما يتهاوى البقية الذين أفنوا أيامهم بالتنبؤات والتوقعات بدلاً من خلق الغد الذي يريدون؟

في تقرير نُشر مؤخراً لشركة ماكينزي الاستشارية الشهيرة أكد أن قرابة 70% من مبادرات التغيير في المؤسسات تفشل، فأغلب الدراسات تتم بناء على توقعات للمستقبل بناء على معطيات أرقام الواقع وحصصه السوقية وتحركات المنافسين وتوجهات العملاء، ولو كانت هذه وحدها تفيد لما وجدنا 73 شركة فقط من مؤسسات النخبة في أول قائمة لـ Fortune's 500 باقية حتى اليوم .

بينما أفلست 427 شركة (نخبوية)، هؤلاء اعتمدوا على قراءة المستقبل الذي لا يتحكمون بتوجهاته أو القوى المؤثرة عليه وبنوا فرضياتهم التي سوّقها الاستشاريون في الغالب ثم صَحوا على واقعٍ مؤلم كما حدث لمكتبات Borders الشهيرة التي أفلست عام 2011 بعد أن خرج جيف بيزوس بشركة Amazon لبيع الكتب من خلال الانترنت.

ورغم أن كثير من محللي وول ستريت يدّعون أن سوق الكتب آلت حصته الكبرى لشركة Barnes & Noble بعد خروج منافستها، إلا أن ذلك لا يعدو أن يكون إمعاناً في تنبؤات العرّافين التي تتعامى عن الواقع المختلف عمّا يشتهون، فالقوى -ممثلة بأمازون والتي أزاحت الصغير من تلك الفئة ستعود من جديد لاجتثاث كبير تلك الفئة بنفس الطريقة وبيننا الأيام يا سادة !

أكثر الشركات صيتاً وخطفاً للأضواء هذه الأيام هي جوجل وياهو وفيسبوك وتويتر، وهي شركات لم تكن موجودة إطلاقاً قبل عام 1995، وقد يحمل المستقبل نزعات أخرى ولن يستفيد منها إلا من يخلق مستقبله بنفسه لا من ينتظر أن يأتي الغد بغموضه، فنحن هشّون للغاية تجاه ما لا نتوقعه من تحديات.

وعندما نبدأ في التعوّد عليها يكون الوقت قد فات وسبقنا البقية ممن نظروا للأمور بطريقة مختلفة، فستيف جوبز لم يكن يتنبأ بالمستقبل بل كان يخلقه بنفسه من خلال ابتكار حاجات للمستهلكين لم يكونوا يعرفونها، ويُقدّم منتجات لا تُشابه منتجات البقية إطلاقاً رغم أنها في نفس القطاعات، بإطلاقه الآيبود في قطاع مشغلات الموسيقى، ثم الآيباد في قطاع الحواسيب، ثم الآيفون في قطاع الهواتف.

هنا كان هو من يحدّد السوق ومقاييس المنتج المطلوبة ويؤكد في معرض تسويقه لهذه المنتجات بأنّه يقدّم حلولاً للبشر وليس منتجاً فقط، وعندما اكتسح الأسواق في هذه القطاعات وصحى منافسوه على غدٍ أسود و"منيّل بنيلة" رغم تنبؤاتهم ودراساتهم التي كلفت المليارات كان الوقت قد فات لمنافسته، ولم يجدوا أمامهم إلا اقتفاء آثاره وتقليد منتجاته بعد أن أصبحت منتجاته هي مقياس السوق!

إنّ الذي لا يريد تغيير طريقته لأنه يرى الآخرون يفعلون نفس الشيء ويكتفي بالبحث عن طمأنينه بين ثنايا وريقات واحصائيات ورسوم بيانية وضعها استشاري ينتظر استلام شيكه المجزي، لن يكون حاله إلا مثل من يملك سفينة متهالكة تمتليء بالثقوب، ويشغل وقته في سعيٍ محموم بالترقيع و التصليح لسد ما قد يغرق سفينته، ولو كان ذا نظرة مختلفة لسعى في خلق مستقبل مختلف ببناء سفينة جديدة أو اختيار اليابسة لتنقّله!

وبذات السياق لابد من التأكيد على حقيقة أخرى وهي أنّه من المحال أن تحل مشكلة أو تخرج من ورطة باستخدام نفس العقليات التي أوقعتك في مستنقعها، فلكي تغيّر المخرج النهائي أو تجد حلاً مختلفاً لابد أن تجمع حولك دماء جديدة وعقليات مختلفة، فالصورة الكبيرة كلٌ يدّعي معرفتها وكلٌ يراها من زاويته الخاصة.

وكلما توفرت رؤى أكثر كلما كان الحل أكثر تكاملاً وخلق المستقبل أكثر إمكانية، فخلق المستقبل ليس شعوذة أو قفزاً للمجهول، بل هو أن تنظر لما يراه الآخرون بطريقة مختلفة وأن تسعى دوماً لكي تسبقهم ببضع خطوات، والأهم أن لا تتوقف، فالثبات هو الفرصة الذهبية التي ينتظرها منافسوك لمهاجمتك، بينما دوام الحركة يجعل حركتك المستقبلية غير متنبيء بها وبذلك يكون ايقافها متعذراً إن لم يكن مستحيلاً !

خلق المستقبل لا يعني مناقضة المسلّمات، فمن الضروري أن تعرف الفارق بين ما تتحكم به ومالا تتحكم به، فأنت تستطيع أن تقرر العودة في منتصف الطريق لمطعمٍ ما، لكنّك لا تستطيع أن تتوقف في منتصف الطريق إن قفزت من فوق بناية عالية، ومن المهم أن تعرف الملابسات من حولك وتقرأ توجهات منافسيك جيداً لتتأكد أنك لن تجدهم أمامك مستقبلاً عندما تُقدّم منتجك المختلف أو خدمتك المميزة، فقط ارحمنا من شهادات الآيزو " الله يرحم والديك" !