سقط في السنوات الأخيرة عدد من الأنظمة العربية، التي تميزت عن غيرها بطغيان دور «الفرد» وتمسكه بالسلطة وانفراده في رسم مستقبل بلده وشعبه، على مدى سنين طويلة عمد خلالها إلى استخدام مختلف الوسائل مهما بلغت غرابتها ووحشيتها وانحدارها الأخلاقي، لغرض التمسك بموقعه دون الاستعانة بمرجعية تسمح له بذلك في أطر المنظومات السياسية والعقائدية القائمة والمتعارف عليها في الأسرة الدولية.
ولعل من المناسب والضروري في هذا السياق، إحياء حوار مهم نحن أحوج ما نكون إليه في هذه المرحلة من تاريخ المنطقة، التي تشهد تحولات سياسية خطيرة وغير متوقعة حول دور «الفرد» ودور «المؤسسة» في المسؤولية عن صناعة المستقبل على مستويات متعددة: سياسية واقتصادية ومجتمعية وتربوية وأخلاقية.
«المؤسسة» في سياق هذه المقالة هي الكيان الاعتباري غير المادي، الذي يحوي الأطر التي تضم منظومات القيم والتقاليد وقواعد العمل، التي تحدد علاقات هذا الكيان مع «الفرد» الذي يقبع في موقع صناعة القرار. وللمؤسسة خصائص تميزها عن بقية أشكال التنظيم الاجتماعي، وهي استقلاليتها وعدم انتمائها لأي من العناصر المتشكلة منها. قد تضطلع المؤسسة بمهام سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية أو تربوية أو قيمية، وقد تضطلع بمجموع كل ذلك حين نتحدث عن المؤسسة الأكبر التي هي «الدولة».
لعب الأفراد عبر العصور أدواراً مهمة في صناعة التاريخ، على مستويات مختلفة تتعلق بمسارات مللهم أو نحلهم أو قبائلهم أو بلدانهم أو أقاليمهم، ولعب البعض منهم دوراً تجاوز ذاك بكثير وفرض نفوذاً وهيمنة لا تزال فاعلة في حاضرنا اليومي، رغم أنه غادر المسرح منذ زمن بعيد جداً.
ويمكن القول دون ارتكاب خطأ كبير، إن الملوك والسلاطين والأمراء أو من احتل منابر التاريخ على مدى زمني طويل جداً، كزعيم قبلي أو قائد عسكري أو مصلح اجتماعي أو مبشر برسالة سماوية، كانوا من يصنع بلدانهم وكانت إراداتهم هي الشريعة ورغباتهم هي القانون، ولم يكن مصير من يتمرد على ذلك سوى الإبعاد أو السجن أو القتل. لم تكن تلك القاعدة حكراً تتميز به ثقافة الشرق أو الغرب، بل قاعدة عامة وتعبيراً موضوعياً عن المسار التاريخي الذي سار فيه معظم المجتمعات في العالم أجمع.
كان للفرد بدءاً من رب الأسرة ومروراً بزعيم القبيلة وصولاً لرأس الدولة، الدور المهم والأساسي في صناعة مفردات الحياة اليومية، بما يتجاوز شخصه ليمتد إلى أبعد من ذلك ويشمل عائلته أو قبيلته أو مجتمعه بأسره، سواء تربع هذا الفرد فوق سلطة مدنية أو فوق سلطة دينية أو شغل موقعاً اجتماعياً متميزاً.
إلا أن حتمية التطور التاريخي وبدء تآكل المرجعيات التقليدية التي استمد منها الفرد شرعيته وسلطاته: المؤسسة القبلية والمؤسسة الدينية، قد ساعدت على التعجيل بإنهاء هذه الظاهرة في القارة الأوروبية قبل غيرها، بحكم التطور الاقتصادي الذي أعقب الثورة الصناعية التي أفرزت علاقات اقتصاد إنتاجية ذات نمط معقد، انبثق عن تعاظم دور الآلة في الحياة الاقتصادية وترتب عليه صعود دور الطبقة المنتجة وتعاظم أهميتها في حركة المجتمع كقوة ذات عنفوان في التغيير.
وكان من جراء ذلك ظهور الحاجة الماسة لإجراء الإصلاحات الاجتماعية، ومنح الطبقات المسحوقة بعض الامتيازات في التعليم والخدمات الصحية والضمان الاجتماعي، وإعادة النظر في نظام الأجور وتقليص ساعات العمل. وهكذا دخلت المؤسسات وليس الفرد، كمرجع أساسي في رسم السياسات وفي صناعة القرارات، ما قلص الدور الذي كان متاحاً للفرد أن يلعبه.
دور «الفرد» في الدول الديمقراطية محدود جداً، وذلك لوجود مؤسسات راسخة وتقاليد عمل متجذرة، وأجهزة رقابة متحفزة ومواطن واع لا يسمح بسلب حقوقه. «الفرد» في هذه الدول لا يستطيع تجاوز أو تجاهل كل ذلك، لأنه وفق الدستور أسير ما يراه المجتمع، وليس ما يراه هو شخصياً. إلا أن هذا الدور لا يزال مهماً في الدول النامية، خاصة في المنعطفات السياسية الحادة، وذلك بسبب الإرث التاريخي الطويل، وسيادة العقلية الانقلابية في المؤسسات العسكرية، وضعف الدور الذي تلعبه الطبقة الوسطى.
ولدينا أكثر من تجربة في أكثر من بلد عربي على ذلك، حيث يصنع الحاكم بلده على مقاساته حين يبني دولة تتفق في أسسها الاقتصادية والسياسية والقانونية والفكرية والقيمية مع رؤاه. ففي العراق عمل الزعيم الراحل عبدالكريم قاسم على صنع دولة وفق مقاساته، دولة خدمات للطبقة الفقيرة، في حين عمل الرئيس الراحل صدام حسين فيما بعد، على إعادة بناء هيكل الدولة وفق هواه، دولة منيعة القوة.
أما في مصر فقد سار الرئيس الراحل جمال عبدالناصر وفق نهج اقتصادي وسياسي يتعارض مع إرادة الغرب، ليأتي خلفه الرئيس الراحل أنور السادات ليقلب معادلة سلفه رأساً على عقب ويبدل هذه السياسات بأخرى معاكسة تماماً. عملية الانقلاب على النهج السائد، الهدم وإعادة البناء بهندسة مختلفة، تجري في بلدان كهذه وفي غيرها دون مواجهة صعوبات تذكر، وذلك لعدم وجود مؤسسات حقيقية على المستويين الرسمي والشعبي، أو لغياب دورها إن وجدت لضعفها.
والحقيقة أن الإشارة لهذه الظاهرة لها أهمية كبيرة في هذه المرحلة، حيث تمر دول الربيع العربي بمرحلة عدم استقرار خطير، وسط أجواء عاصفة لا يستبعد أن تستغرق سنوات طويلة، قد تتمخض عن مسارات مختلفة لا يستبعد منها عودة «الفرد» للاستئثار بالحكم من جديد، خاصة أن المؤسسة الوحيدة التي بقيت متماسكة في هذه الدول والتي تمتلك القدرة على الحسم، هي المؤسسة العسكرية. فهناك في صفحات التاريخ ما يشير إلى إمكانية حدوث ذلك، فقد تمخضت الأحداث التي أعقبت الثورة الفرنسية لتهيئ الظروف لمجيء نابليون بونابرت «إمبراطوراً» على فرنسا.
البناء الديمقراطي لا يعني التوجه نحو صناديق الاقتراع مرة كل أربع أو خمس سنوات، بغية انتخاب مجالس المحافظات أو المجالس النيابية فحسب، وهي مجالس قد تكون شكلية قابلة للتدجين. فالبناء الديمقراطي الحقيقي يعني بناء مؤسسات فاعلة في المجتمع، على المستويين الرسمي والشعبي، تدار من قبل أناس يتفهمون خصائصها ويقدرون مسؤولياتها.