نسمع طوال الوقت عن التمييز ضد المرأة في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، من الصومال وأفغانستان إلى مصر ودول الخليج، لكن نادراً ما يعير العالم اهتماماً يُذكر لأوضاع المرأة في إسرائيل.

والحقيقة أن المرأة ليست وحدها التي تتعرض للتمييز داخل المجتمع الإسرائيلي، فهناك عنصرية مؤسسية تمارس ضد العرب، فضلاً عن انتهاكات بالجملة لحقوق اليهود المهاجرين من إفريقيا تحديداً.

ولو أن دولة أخرى في العالم ارتكبت الجريمة التي ارتكبتها إسرائيل، حين أعطت لمهاجرات من إثيوبيا دون علمهن عقاقير تمنع الحمل، لقامت الدنيا ولم تقعد.

لكن التمييز ضد المرأة على وجه الخصوص، يستحق عناية خاصة، ليس فقط لأنه يحدث باسم الدين وإنما لأن الدولة ذاتها ليست بعيدة عنه.

وهو التمييز الذي أعربت وزيرة الخارجية الأميركية السابقة هيلاري كلينتون، عن قلق بلادها منه ووصفته بأنه يشبه ما يجري في إيران، بل وشبهت الفصل بين النساء والرجال في إسرائيل، بالفصل العنصري في بلادها حتى ستينات القرن الماضي.

والحقيقة أن تلك الظواهر اقتصرت لفترة على المناطق التي يعيش فيها الحريديم، وهي طائفة تعتبر الأكثر تشدداً بين اليهود.

لكن تلك الظواهر اتسعت لتشمل مناطق أخرى، وتنطوي على أبعاد أكثر عمقاً. ففي مناطق الحريديم، مثلاً لا يمكن للمرأة أن ترتاد الحافلات العامة إلا من أبواب خلفية، وعليها أن تجلس أيضاً في المقاعد الخلفية.

وفي كل مكان في تلك الأحياء، هناك يافطات تطالب المرأة بارتداء ملابس بعينها دون غيرها. والمرأة في إسرائيل محظور عليها أن تصلي عند «حائط المبكى» بصوت مسموع، أو ترتدي لباس الصلاة الذي يرتديه الرجال، ولا أن تصلي كمجموعات حتى في الأماكن المخصصة للنساء.

لكن السنوات الأخيرة شهدت تمدداً لمبادئ الحريديم خارج نطاق أحيائهم، وبدا وكأنها تلقى دعماً من الدولة.

ولعل المثال الأبرز على ذلك، كان الزيارة التي قام بها شيمون بيريز للكلية التي يتعلم فيها الحريديم في القدس عام 2011.

فمن هناك، دعا رئيس إسرائيل إلى دمج الحريديم في المجتمع الإسرائيلي، وهي قضية من القضايا الخلافية المهمة داخل إسرائيل. لكنه أضاف أن مثل ذلك الدمج «يتحتم لتنفيذه احترام المتطلبات الفريدة التي يتبناها الحريديم بالنسبة لمواقع العمل».

وكان معنى كلمات بيريز، أن أفكار الحريديم التي يختلف معها أغلب اليهود وتجاهلوها طويلاً باعتبارها لا تخصهم، قد دخلت إلى قلب الحياة العامة.

فعلى أصحاب العمال، وفق كلام بيريز، الذين سيعمل لديهم أبناء هذه الطائفة، أن يقوموا بفصل النساء عن الرجال في مصانعهم ومتاجرهم وأعمالهم، «احتراماً للمتطلبات الفريدة» على حد قوله.

وقد اتسع بالفعل نطاق العمل بمبادئ الحريديم.

ففي بعض مناطق القدس، ظل محظوراً على المرأة، حتى الشهر الجاري كما سيأتي لاحقاً، أن ترتاد الحافلات إلا من الأبواب الخلفية، وتعرض الكثير من النساء للاعتداء بسبب ملابسهن.

ففي 2011، تعرضت طفلة تبلغ من العمر ثماني سنوات للاعتداء بالبصق عليها وتهديدها والصراخ في وجهها باللعنات، لأنها لا تلتزم بالزي «المناسب»، كما شرحه الحريديم في كتيب تفصيلي راحوا ينشرونه على الحوائط.

وهو تفصيلي لأنه يحدد طول الرداء بالسنتيمترات، ويحظر على من هن أكبر من ثلاث سنوات ارتداء ألوان بعينها؛ هي الأحمر والأخضر والأصفر والبرتقالي والفضي والذهبي!

وقد ذهب التمييز لأبعد من ذلك، ففي العام الماضي لجأت سيدة أميركية لمقاضاة شركة طيران العال الإسرائيلية، لأنها فوجئت بنقلها من مقعدها لمقعد خلفي دون موافقتها، لأن رجلاً حريدياً رفض أن تجلس بجواره سيدة.

بل أكثر من ذلك، ظل محظوراً، حتى بداية الشهر الجاري (أيضاً)، أن تصلي المرأة بالطريقة نفسها التي يصلي بها الرجال في الأماكن العامة، ومنها «حائط المبكى»، حتى إن منظمة نسائية سميت «نساء الحائط»، نشأت منذ 1988 للدفاع عن حق النساء في الصلاة كما يردن.

وعلى مدار ما يقرب من ربع قرن، ظلت نساء الحركة اللائي يجرؤن على الذهاب للصلاة عند الحائط بصوت مسموع وبالملابس التي يرتديها الرجال عند الصلاة، يتعرضن للاعتداءات، بل ويتم القبض عليهن من جانب البوليس، الأمر الذي يعني أن الدولة في إسرائيل قبلت ذلك التمييز ضد المرأة، وعكفت على معاقبة مخالفيه.

وقد أدى كل ذلك إلى وضع إسرائيل في موقع المتهم دولياً، وعلت الانتقادات الموجهة لها بشأن حقوق المرأة.

بل وأعلن أنصار إسرائيل في الكثير من الهيئات اليهودية في أميركا وأوروبا، أنه ليس بإمكانهم الدفاع عن إسرائيل في موقفها من المرأة.

ولعل تلك الضغوط تكون أحد أسباب التحول الذي حدث في الأسابيع القليلة الماضية.

فبعد أن كانت المحكمة العليا في إسرائيل قد حكمت منذ سنوات لصالح الفصل في الحافلات بين الرجال والنساء، وإن ربطته بشرط موافقة النساء عليه، إذا بالمدعي العام الإسرائيلي يصدر أوائل شهر مايو الماضي، توجيهات لكافة الوزارات بمنع التمييز ضد المرأة داخل المؤسسات وفي الفعاليات التي يقومون عليها.

وأعلنت وزيرة العدل تسيبي ليفني، أنه صار محظوراً التمييز ضد المرأة في الاحتفاليات العامة والمقابر أو حرمانها من إلقاء خطب التأبين، وهي دخلت بالمناسبة في معركة مع وزير الشؤون الدينية بشأن ذلك الموضوع.

أكثر من ذلك، حكمت المحكمة العليا في مايو أيضاً، بحق المرأة في الصلاة كيفما شاءت عند حائط المبكى.

ومنذ حكم المحكمة تبدلت الأحوال، فبعد أن كان بوليس المدينة يهاجم «نساء الحائط» ويعتقلهن، انقلب دوره بقدرة قادر لدور الحماية لهن وإبعاد المتطرفين اليهود من التحرش بهن.

غير أن تلك التطورات لا تعني نهاية المطاف، فالكثير مما يحدث سيتوقف استمراره على نتائج الانتخابات المقبلة في إسرائيل، وحجم القوة التي سيحصل عليها المتطرفون داخل الكنيست.