هناك أسباب عديدة لتحول الخلافات بين الدول، المتجاورة بشكل خاص، إلى صراعات مسلحة، بعض هذه الأسباب يتعلق بأهمية الأراضي الحدودية، وبعضها الآخر، وهو الأهم والأكثر خطورة، يتعلق بالحقوق في الثروات الطبيعية التي قد تكون مشتركة، كالخلافات حول المياه، لأنه يختص بإحدى أهم الضروريات في الحياة. فالأنهار الحدودية أو العابرة للحدود، والمكامن المائية الجوفية المشتركة، ستبقى بؤر صراع بين الدول، لعدم وجود قانون دولي ملزم يحدد طرائق توزيعها.

وتتزايد أزمة المياه مع مرور الزمن في معظم دول العالم، بسبب تزايد عدد السكان، وازدياد معدلات استهلاك الفرد منها، وسوء الاستخدام لمياه الأنهار والبحيرات والمياه الجوفية، والتلوث والتبذير والنمو الفوضوي للمدن، وهي من ظواهر الدول النامية.. كل ذلك دفع الأمم المتحدة لتخصيص يوم عالمي للمياه، للتوعية بأهمية تقنينها وترشيد استهلاكها.

فقد كانت المياه سبباً جوهرياً في اندلاع 37 حرباً في القرن المنصرم، وفي ضوء معطيات الحاضر، من المتوقع بحلول عام 2050، أن يصبح ثلثا سكان العالم في وضع المفتقر إلى المياه. وفي هذا الصدد، يمكن القول بدرجة عالية من الثقة، إن نزاعات القرن الحالي سوف تتمحور، كما كانت دائماً، حول الموارد الطبيعية، وسيكون الصراع حول مصادر المياه في مقدمها.

سد النهضة الذي تقوم إثيوبيا بتشييده على أحد أنهارها بغرض إنتاج الطاقة الكهربائية، أثار زوبعة سياسية في مصر، ودق ناقوس الخطر فيها، لما له من تأثيرات خطيرة في منسوب المياه في النيل، وانعكاس ذلك على نواحٍ عديدة تمس حياة الشعب المصري في الصميم، فلذلك تداعيات خطيرة على الاقتصاد المصري في النواحي التي تتعلق بالزراعة والصناعة، والبيئة كذلك.

ينبع هذا النهر من بحيرة تانا الواقعة في مرتفعات إثيوبيا غزيرة المياه بسبب الأمطار الموسمية، ويطلق عليه اسم "آيباي" في إثيوبيا، وحين يدخل الأراضي السودانية، يطلق عليه اسم "النيل الأزرق"، ليلتقي بعد ما يقرب من مسيرة 1400 كيلومتر مع النيل الأبيض في الخرطوم، ليشكلا معاً نهر النيل الذي يدخل الأراضي المصرية.

ويزيد ما تقدمه إثيوبيا من مياه لنهر النيل على 70 % من مياهه الكلية التي يأتي المتبقي منها من بحيرة فيكتوريا وسط أفريقيا. واقع الحال يشير إلى أن دولة المنبع هي التي لديها اليد العليا في ما يتعلق بالتصرف في المياه، في حين أن دولة المصب هي التي تلحقها الخسارة الأكبر، وإثيوبيا هي دولة المنبع، ومصر هي دولة المصب.

ويقدر بعض الخبراء حجم الضرر الذي سيلحق مصر، بما يتراوح بين عشرة إلى عشرين مليار متر مكعب من الماء سنوياً، أي ما يقرب من ثلث حصتها الحالية من مياه نهر النيل البالغة 55 مليار متر مكعب، وهو مقدار لا يتناسب مع حاجة مصر التي بلغ تعداد سكانها في الداخل 83 مليون نسمة أواخر أغسطس 2012، وفق الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء.

وبعملية حسابية بسيطة، نرى أن حصة الفرد المصري الواحد من المياه، تضع مصر في خانة الدول التي تسمى بدول الفقر المائي، فوفق المعيار الدولي لذلك، فإن خط الفقر المائي يقع عند حاجز ألف متر مكعب سنوياً للفرد الواحد.

المتأثر من جراء تشييد سد النهضة هو السودان ومصر فقط، إلا أن السودان لم يظهر اعتراضاً على المشروع الإثيوبي، بل على العكس، أعلنت الحكومة السودانية أنها ترحب به، وقد سبق أن أسهم خبراؤها في التعاون مع الإثيوبيين في إنجاز بعض مراحله، لأنها ستستفيد من الأسعار المخفضة للكهرباء الذي ستستلمه من المحطة التي ستنشأ على هذا السد.

يضم حوض النيل إحدى عشرة دولة، من حقها جميعاً، من حيث المبدأ، أن تتمتع بما يتيحه هذا الحوض من آفاق اقتصادية في مشاريعها التنموية، ولعل من غير المعقول أن تتصور مصر أن سد النهضة الإثيوبي سيكون آخر السدود التي تسهم في تقليص حصتها من المياه، وهي الدولة التي لديها عشرات الجامعات، ومئات.

وربما آلاف الخبراء المختصين في كافة المجالات، والقادرين على التوصل إلى رؤية لمستقبل الثروة المائية في مصر، إلا أن كل ذلك ينقصه التخطيط الاستراتيجي. لذلك عليها أن تخطط للمستقبل، فهي دولة كبيرة، لها إطلالة واسعة على البحر الأبيض المتوسط، وإطلالة أخرى على البحر الأحمر، وهي، بسبب النمو السكاني الذي لا يخضع لضوابط، ستحتاج بكل تأكيد، وفي وقت قريب، إلى اللجوء إلى البحر وتحلية مياهه، لتأمين بعض احتياجاتها من المياه.

فرص مصر لمنع إنشاء السد تكاد تكون معدومة، إذ ليس هناك ما يحرم على إثيوبيا الاستفادة من ثروتها المائية وإنشاء السد، فكل ما هناك طبقاً للقانون الدولي، هو مبادئ استرشاديه حول تقاسم المياه في الأحواض المشتركة، وردت في قواعد هلسنكي لعام 1966، وقواعد الاتفاقية الإطارية للأمم المتحدة عام 1977، وهي مبادئ غير ملزمة. فالعراق لم يستطع أن يلجأ للمنظمات الدولية لمنع تشييد السدود على الأنهار التي تمر فيه، وهو يعاني الآن من شح شديد في المياه.

كما أن قدرات مصر للضغط على إثيوبيا ضعيفة هي الأخرى، فمصر تمر بمرحلة تراجع كبير في دورها الإقليمي والدولي، وليس لديها ما يمكنها من ممارسة ضغوط اقتصادية أو دبلوماسية أو سياسية ذات جدوى على إثيوبيا، أما العمل العسكري، فهو أمر مستبعد، إذ لا يمكن أن يكون ضمن الخيارات التي يتقبلها المجتمع الدولي. كما أن إثيوبيا ليست دولة محاددة لمصر، وذلك يسلب مصر خيار الاستفادة من تفوقها العسكري لخلق المتاعب لها، كضغوط تلزمها على التأجيل أو التباطؤ في التنفيذ.

والحقيقة أن العلاقات المصرية الإثيوبية، تحولت من علاقات قوية وجيدة حتى نهاية الخمسينيات من القرن المنصرم، حين كانت كنيسة التوحيد الأرثوذكسية الإثيوبية مرتبطة بالكنيسة القبطية المصرية منذ دخول المسيحية إلى إثيوبيا، إلى علاقات رسمية وشكلية، يسودها البرود، بعد الإطاحة بالإمبراطور هيلا سيلاسي، قد أضر بمصالح مصر، أكثر من إضراره بمصالح إثيوبيا، خاصة بعد انفصال الكنيسة الإثيوبية التي أصبح لها "بابا" إثيوبي خاص بها.