يعيش الشارع العربي بين مشهدين، لكل مشهد قادته ورجاله وجمهوره وأسبابه وعواقبه، ولكن القاسم المشترك بينهما هو أن أبطاله قادة ائتمنتهم شعوبهم على حاضر أوطانهم ومستقبل أولادهم، كما أنهما يشتركان في أن ميدان كل مشهد هو الوطن أرضا وشعبا، ووقوده هو مقدرات الوطن وثرواته، إلا أن الفارق بينهما شاسع؛ أولهما يصيب من يشاهده بالحسرة والاكتئاب والاغتراب حينما يرى أطفالاً تيتم، ونساء ترمل، وأسراً تشرد، ومساكن تهدم، وعتادا وأسلحة ضلت طريقها فوجهها أبناء الوطن الواحد إلى صدور بعضهم، ومقدرات وطن تنزف بأيدي أبنائه، فقدموا لأعدائه خدمة جليلة على طريقة "بيدي لا بيد عمرو".
المشهد الثاني هو مشهد قيادة تعرف دورها ومكانها، وأرادت أن تسير في طريق آخر، لأنها تدرك المعنى الحقيقي للقيادة التي تعني المسؤولية تجاه الشعب والوطن، فاختارت طريق البناء لا الهدم، ففتحت الأبواب والقلوب لأبناء شعبها بدلا من أن تفتح عليهم أبواب النار، وأدركت أن القيادة بالحب أبقى وأعمق وأقوى من القيادة بالبطش والجبروت، وأن الوطن هو الباقي وهو الخالد أبدا، فرسمت على وجه الوطن ابتسامة الحب والنصر، فبادلها شعبها حبا بحب وعطاء بعطاء.
راودتني تلك الأفكار وأنا أتابع كمواطن ومهتم بالشأن العام، تلك الأخبار التي تترى لتدخل على القلب السعادة وعلى النفس الثقة والفخر بالانتماء إلى رمال هذا الوطن، فالمقدمات الطيبة لا يمكن إلا أن تأتي بالنتائج السعيدة، ولا شك أن ما يحدث على أرض الإمارات هو ملحمة للخلود، اعتادت أن تسطرها الإمارات مهما كانت التحديات والصعاب.
ألم يبنَ اتحاد إماراتنا يوم أن كان عقد التجارب الاتحادية ينفرط، فلا عجب، في ظل ما يعيشه العالم من اضطراب، وما يشهده عالمنا العربي من تخبط بحثا عن طريق للخروج من وهداته، أن تأتي الإمارات في المركز الثامن عالميا في التنافسية العالمية، بحسب التقرير السنوي للتنافسية العالمية الصادر عن المعهد الدولي في سويسرا، وهو من أهم التقارير السنوية العالمية، ويعتبر من المراجع الأساسية التي يعتمد عليها صناع القرار في العالم، وهو يعتمد على 300 معيار قياسي، فجاءت ضمن العشرة الكبار عالميا، والأولى عالميا في الكفاءة الحكومية، وفي مجال الترابط المجتمعي، وفي مجال القيم والسلوكيات، والثانية عالميا في الخبرة الدولية ونظام التقييم، والثالثة عالميا في الثقافة الوطنية، والرابعة عالميا في الأداء الاقتصادي، والخامسة عالميا في التوظيف، والسادسة عالميا في ممارسات الأعمال، والسابعة عالميا في التجارة الدولية.
إن هذه المراكز هي شهادات دولية تصدرها مراكز يعتد بنتائجها، ورغم أننا لا نحتاج كثيرا إلى هذه الشهادات الدولية، لأن الواقع المعاش أصدق أنباء من كل الشهادات، إلا أن قيمتها تأتي من كونها تحدد أين نحن من الآخرين وأين الآخرون منا، كما أنها تأتي من طرف يرى الصورة من الخارج بعيدا عن العواطف، لتزيدنا إصرارا وتصميما على أننا حددنا مسار السير برؤية واضحة، وتصميم وإرادة سياسية وشعبية على التميز، لا على المستوى الإقليمي فحسب ولكن على مستوى عالم لم يعد فيه للمترددين مكان.
إن ما تبوأته الإمارات اليوم من مراكز في مجالات البذل والعرق والعطاء، لم يكن وليد الصدفة أو جاء هكذا عبر اقتراع بين الدول، ولكنه نتاج رؤية تثبت كل يوم نجاحها، وضع قواعدها الصلبة المؤسسون على حب للوطن والوفاء له ولشعبه، ثم حمل الراية من تربوا في كنف المؤسسين وعلى عين منهم، فحافظوا ونموا فكانت صرخة التميز والاستثمار في الإنسان، حتى أصبحت الدوائر الحكومية وغير الحكومية في حالة استنفار إبداعي مستمر، في طريق لا نهاية له من تجويد الحياة.
الشاهد أن تجربة التميز في الإمارات بدأت من الداخل بنفس وطني، يستند إلى رؤية واضحة من قيادة سياسية واعية تعرف ماذا تريد لشعبها، قيادة من يحلل خطابها يجد أن الأمل في الغد هو القاسم المشترك الأعظم، وأن كل يوم يطل علينا هو بمثابة اختبار جديد نثبت فيه تفوقنا، فالنجاح ليس هبة توهب لشعب ما، ولكنه ينتزع عبر البذل والعرق.
إن العالمية التي تدور مع رحاها الإمارات اليوم، جاءت من قوة البناء الداخلي والعمل بروح الفريق الواحد، الذي يمتد من السلع إلى الفجيرة، على حد وصف قيادته السياسية التي يستلهم منها طاقته الإيجابية.
ومما لا شك فيه أن حصول الإمارات على المركز الأول عالميا في الترابط المجتمعي والقيمي، يعطي ملمحا مهما وضروريا، وهو أن رحلة البناء والتنمية في الدولة قائمة على أساس أخلاقي وقيمي، وأن الإمارات، وهي تسير في طريق التحديث، لم تخجل أو تتحلل من تراثها وميراثها التاريخي كما فعل بعض التجارب الإقليمية من حولنا، فلا هي لحقت بالصف الأول ولا هي حافظت على هويتها وكانت المحصلة مخيبة للآمال، لأن السند الحقيقي لأي عمران مادي هو سند أخلاقي، بل إن الحضارات الكبرى التي انهارت تاريخيا لم يكن ليحدث لها ذلك لولا انهيار البعد القيمي، وهو الخطر الذي مازال ماثلا للحضارة الأوروبية، فضلا عن أن الترابط المجتمعي يؤكد على التفاف الشعب حول القيادة، وهذه هي الشرعية الحقيقية التي تسبق كل التنظيرات السياسية والسجالات الفكرية.
إن وحدة الهدف وتجميع الجهود والشراكة في البناء، هي الإطار الجامع لنجاح كل التجارب التنموية وشعور كل فرد بدوره في تحمل مسؤوليته الوطنية، وإن الاستعانة بالغير لا تغني أبدا عن أصحاب الدار الذين يعرفون دروبها وشعابها، وهو ما جعل الاستثمار في أبناء الوطن، والعمل المستمر على إعداد وتكوين القيادات الشابة المؤهلة والمسلحة بالعلم، والقدرات النوعية التي أصبحت تقاس على أساسها قيمة الثروة البشرية للأوطان، هي المعايير الأساسية وليس فقط بالتعداد الكمي.
إن ما أكد عليه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد من أننا "متفائلون بالمستقبل وواثقون بأبناء الوطن ومستمرون بالعمل"، يشير إلى أن هذه ليست نهاية المطاف حتى لا تأخذنا النشوة فتصبينا بالاسترخاء، ولتوضح للقاصي والداني أن تاريخ الإمارات من السلف إلى الخلف، يؤكد أنها دولة البنائين في وقت احترف فيه البعض صناعة الهدم.