في نهاية ورقته التي قدمها في المؤتمر السنوي الثالث لندوة الثقافة والعلوم، الذي عُقِد تحت عنوان "الإمارات في عيون الجاليات"، يستشرف الدكتور "جناردين" المقيم في الإمارات منذ 13 عاماً، آفاق المستقبل من وجهة نظر شخصية، فيقول إنه سيعود يوماً ما إلى وطنه "الهند" التي يتعلق بها قلبه، بعد أن يتقاعد أو يضطر للتقاعد.
هو واثق من أنه سيفعل هذا، لكنه ليس واثقاً من أن ابنه سيفعل الشيء نفسه، فهو هندي فقط بجواز السفر الذي يحمله، لكنه لم يقض في الهند سوى 180 يوماً من عمره البالغ الآن تسع سنوات، قضاها كلها في الإمارات، وكلما كانوا يغادرون الإمارات، إلى الهند أو آسيا أو الغرب، كان ابنه يتوق للعودة إلى "وطنه الجميل" وإلى "سريره الدافئ المريح في بيته"؛ في الإمارات.
هذا يعيدنا إلى العبارة التي أوردها في بداية الورقة، والتي جاءت على لسان أكاديمية في علم "الأنثروبولوجيا" زارت دبي قبل بضع سنوات، عندما سألت طالباً مغترباً عن هويته فأجاب: "أنا هندي من قمة رأسي حتى أخمص قدمي، لكنني دبوي القلب". ويكمل الدكتور "جناردين" قائلاً: "سوف يستمر هذا الشعور لديّ، ولدى ابني وأغلب المغتربين في المستقبل".
يطرح الدكتور "جناردين" أيضاً في نهاية الورقة، مجموعة من التغيرات التي يتمنى رؤيتها، منها: أن يعمل أولياء الأمور الإماراتيون على تعليم أبنائهم احترام العمالة الوافدة، بغض النظر عن أصولها، مثلما يفعل أولياء الأمور المغتربون الذين يعلمون أبناءهم احترام الإماراتيين والثقافة الإماراتية.
وأن يعي المسؤولون الإماراتيون، خاصة أولئك الذين في الصف الأول، ضرورة التعامل مع الوافدين، الآسيويين على وجه الخصوص، بقليل من الاحترام، أكثر مما يحدث حالياً، والعمل على خلق ثقافة يحترم فيها الوافدون المواطنين، لا أن يخافوا منهم، وأن يسعى شباب الإمارات إلى العمل في القطاع الخاص دون تحيز عنصري، إذ لا ينبغي أن يقول الشاب الإماراتي إنه لن يعمل في شركة "هندية آسيوية" لأن الخادمة التي تعمل في بيته "هندية آسيوية".
في ضوء هذه الأمنيات، أو النصائح التي يقدمها الدكتور "جناردين" للشباب الإماراتي، كيف ينظر هؤلاء الشباب إلى الجاليات؟ وما هو مدى رضاهم أو رفضهم لوجودها؟ وما هو مدى خشيتهم منها؟
هذه الأسئلة وغيرها، حاول أن يجيب عنها البحث الذي أعدته للمؤتمر الطالبات مريم العبدول وعالية الفلاسي ونوف المازمي، من جامعة زايد، تحت عنوان "الجاليات في عيون شباب الإمارات"، وتمحور حول نظرة الشباب الإماراتي للجاليات، من خلال استبيان حاول استقراء آرائهم عن مدى نجاح نموذج الإمارات مع أو من دون وجود الجاليات.
ومعرفة مدى ونوع تأثير الجاليات في مجتمع الإمارات، تبعاً لفئات الجاليات التي قسموها إلى أربع: عربية، وآسيوية، وبريطانية، وأميركية. وهو بحث يستحق الإعجاب، كما تستحق عليه الطالبات الثلاث والجامعة الشكر، لأنه قدم صورة عن واقع مجتمع الإمارات، الذي قدمت الطالبات جامعتهن نموذجاً له، حيث تنقسم الجامعة إلى مجتمع طلابي يتعلم "مواطن"، ومجتمع أكاديمي يُعَلِّم "غير مواطن".
انقسمت عينة طلاب وطالبات جامعة زايد، التي شملها الاستفتاء، في آرائها ونظرتها لنجاح نموذج الإمارات من دون وجود الجاليات، وتقاربت نسبة المؤيدين والمعارضين بشكل واضح، فكانت نسبة من يتخيل نجاح نموذج الإمارات من دون الجاليات 48%، ونسبة من يرى ضرورة وجود الجاليات 47%. وكان من أبرز النتائج أن 48% من الشباب يرون أن الجالية العربية هي الأكثر إيجابية، بينما رأى 46% من الشباب أن الجالية الآسيوية هي الأكثر سلبية.
وعندما سئل الطلبة من كلا الجنسين عن شكل تأثير الجاليات على فئة الشباب تحديداً، ساد الاتفاق على أن للجاليات تأثيراً سلبياً أكثر على فئة الشباب في مجتمع الإمارات (بنسبة 79%). ورجحت الباحثات أن يكون السبب هو أن الشباب على تواصل بالجاليات من خلال وسائل الاتصال وشبكات التواصل الاجتماعي.
وقلن إن هناك احتمالاً آخر لتفسير ظاهرة السلبية، وهو أن الشباب على احتكاك بشباب الجاليات الآخرين، ويشعرون بحجم تأثيرهم عليهم، وقد يدركون ما لا يدركه الكبار (الأهل)، عن مدى تأثير شباب هذه الجاليات عليهم.
وتنوعت مجالات التأثير السلبي، وكان بارزاً بوضوح تركيز شباب وشابات الإمارات على أن الثقافة واللغة العربية هما الأكثر تأثراً سلبياً من وجود هذه الأعداد الهائلة من المغتربين. وتنوعت مجالات التأثير الإيجابي بين احترام الوقت، وثقافة العمل، والحرفية، واحترام الأنظمة والقوانين، والاعتماد على النفس.
وعن رأي شباب الإمارات في قدرتهم على القيام بالأعمال التي يقوم بها أبناء الجاليات، رد 57% من العينة بالإيجاب، فيما قال 43% إنهم غير قادرين على القيام بمهام الجاليات. وأجمع 77% من العينة على أن من حق الجاليات البحث عن فرص عمل وحياة كريمة في الإمارات، شرط ألا يتعارض هذا مع حق المواطنين في إيجاد فرصهم.
من القراءة الشاملة للآراء التي وردت في البحث، يمكن معرفة الجو العام السائد، وهو الاتفاق الواضح على أن الإماراتيين لا يعارضون وجود الجاليات، ولا ينكرون دورها في بناء الوطن، ولا حقها في البحث عن فرص عمل، وأن خشية الإماراتيين ليست من وجود المغتربين، وإنما من كثرة أعدادهم التي تشكل السبب الرئيسي للخلل الحاصل في التركيبة السكانية، وهم مدركون أن لهذه الأعداد الكبيرة الكثير من التأثيرات السلبية على المجتمع.
ما بين أجراس الدكتور "جناردين" وأجراس بنات جامعة زايد، ثمة أصوات متقاربة وأخرى متنافرة، يمكن قراءة بعضها فوق السطور، ويمكن قراءة بعضها الآخر بين السطور. المهم هو أن نقرأها قراءة صحيحة، وألا نكتفي بمجرد القراءة.