بين المستحيل والممكن مساحة رمادية هائلة تُحجم عنها الغالبية ولا يقتحم لُجّتها إلا أفذاذ البشر، وإنّ الباحث عن القمة لا يقبل بأنصاف الحلول ولا يرضى أن يقف في منتصف الرحلة ثم يعود أدراجه لأن الطريق للمجد قد ازداد وعورة، فحيثما قل سالكو دربٍ ما فذلك ضالة كبير الهمّة، أما الدروب التي تتكاثر فيها الأقدام فلا تعدو أن تكون مرتعاً يؤمه من رضي أن يكون كالبقية يسير حيثما ساروا ويقنع بما قنعوا، لكن الكبير لسان حاله ما قاله أبو راشد، حفظه الله :
نمشي على درب ما توطاه الأقدامي
وإنْ وِعْرَتْ الأرض يعجبني المشي فيها
كنتُ ممن تستوقفهم إعجاباً كلمةً لمارك توين قال فيها: "لكل شيء حدوده، فلا يمكن أن تعلّم خام الحديد أن يصبح ذهباً"، لكن لو لم أستعجل ولو صبر معي توين نفسه فترةً لعلم أن لكل شيءٍ استثناء، فإن أردت كسر المستحيل فاضربه بمستحيلٍ من فئته.
ولا يفلّ مستحيل الظروف إلا مستحيل الرجال كمحمد بن راشد، ولئن راجت ردحاً من الزمن تلك الأكذوبة التي تقول إنّ الحضارة لا تنشأ إلا حيث المناخ المعتدل على الدوام، فإن واقعنا قد حلّ عُراها الواهية، ففي وسط صحراء جرداء وقيظٍ لاهب أورفت أغصان الإمارات وقدّمت دبي نفسها مدينة للأحلام والأمل والنمو والفرص تماماً كما كانت أميركا ذات يوم أرضاً للأحلام !
"من داثر الوقت هذا طبع الأيامِ" القصيدة التي ألهبت الدنيا في الثمانينات كانت إشارة بدء السباق لبو راشد، بها أفصح عن أحلامه وعن عشقه للمستحيل وعن رفضه أن يمشي حيث يمشي البقية، فكان ما حدث بعدها ترجمةً فعلية لأُنشودة المجد تلك.
"من داثر الوقت" أيقن بو راشد أن استمرارنا في عمل نفس الأشياء سينتهي دوماً لنفس النتائج، وأنّ من أراد التميّز عليه أن يُغيّر نوعية ما يعمل وأن يعمل بكل طاقة محركاته، فالسباق طويل والنخبة بعيدون في الأمام واللحاق بهم يتطلب مضاعفة غير مسبوقة للجهد والتركيز على ما يحقق ميزات تنافسية تختصر المراحل بدوام التعلم والتسارع فيه قدر الإمكان.
لذلك كان الانتقال من الحكومة التقليدية إلى الإلكترونية قبل عقدٍ من الزمن، وقبل أن يصحو البقية من هذا الإنجاز غير المألوف في المنطقة كان سموّه يدشّن حكومة المستقبل الذكية ويضع فترة سنتين لانتقال الحكومة وخدماتها إلى الإنسان من خلال مبادرة التطبيقات الذكية وجوائزها المحفزة للمؤسسات والمبدعين من الشباب.
"من داثر الوقت" علم بو راشد أنّ السباق يتنافس فيه الجميع لكن من يتنافس في المؤخرة ليس كمن يتنافس في المقدمة، فنأى بحكومته أن تنافس إلا النخبة فقط، أما البقية فإنّ التفوّق عليهم لا يعني إلا أننا أفضل السيئين وليس ذلك ما طمح إليه لا هو ولا شقيقه رئيس الدولة، حفظه الله، فكان ثمرة زرعهما نتاجاً ناصع البياض بحصول الإمارات على المركز الأول عالمياً في مجال الكفاءة الحكومية.
وتحقيقها أكبر قفزة بين جميع دول العالم في مجال التنافسية عام 2013 لتصل إلى المركز الثامن، وتحقيقها أيضاً المركز الرابع عالمياً في مجال الأداء الاقتصادي، والخامس في مؤشر التوظيف، والسادس في محور ممارسات الأعمال، ثم يخرج سموّه ليؤكد بأنّ السنتين القادمتين ستشهدان العديد من المفاجآت لمواطني الدولة، فالكبار لا يتوقفون والأفذاذ لا يرون النجاح محطّة بل رحلةً لا متناهية!
"من داثر الوقت" كان بو راشد يعلم أنّ وراء كل قمّة سامقة أخطارٌ جمّة، وأنّ من يريد إنجازاً دون مخاطر فهو لا يعدو أن يكون غارقاً في أحلام اليقظة، وأنّ من يستسلم لأول إخفاق لن يبتعد كثيراً في طريق النجاح والتفوّق، فتماسك بعد أن اهتز العالم بأزمته الاقتصادية .
ولم تفلّ عزيمته تلك الفترة الصعبة ولم تهز ثقته أقلام الصحافة الأجنبية الصفراء التي تتعامى عن ديون جاوزت العشرة تريليونان في أميركا وتتباكى على التزامات ببضعة مليارات فقط لدبي، فنجاح دبي المدهش أربكهم، وأوجعهم أكثر أنّه نجاحُ بأيدي أبنائها لا كتائب خبرائهم وبرامجهم المعلّبة، فعادت دبي من بعيد وهم لا يزالون يتخبطون في مبادرات كل واحدةٍ أفشل من أختها "ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله"!
"من داثر الوقت" آمن بو راشد بأهمية التواصل الفعال مع الآخرين وأن خير وسيلة لتلافي معوقات التغيير هي أن تُشرِك الآخرين في فكرة التغيير منذ بداياتها، فتواصل مع الجميع بزياراته الميدانية وبلقاءاته بمواطني بلاده والمقيمين بها في مجلسه العامر، وكان سبّاقاً في استغلال وسائل الاتصال الاجتماعي الحديثة لنشر ثقافة الشفافية والتفاعل الإيجابي مع الآخرين .
وجس نبض الشارع باستمرار تجاه مبادرات الحكومة ومشاريعها، وكم هو شاسعٌ ذلك الفارق بين رؤساء الحكومات الذين يخرجون بخُطّبٍ كمباضع الجراحة لتنادي بسياسات التقشف وفرض الضرائب وشد الأحزمة، وبين لقاءات بو راشد وابتسامته الواثقة التي تطمئن الجميع وهو يبث التفاؤل ويبتكر الحلول ويراهن على أبنائه وبناته لتغيير الواقع الجميل إلى ما هو أجمل.
"من داثر الوقت" والوحيد الذي يسلم من النقد هو من لا يعمل، وكلما كان عملك كبيراً ونجاحك مدوياً كلما تعالت أصوات المثبطين والمشككين، فالفاشل وحده من لا يثير حفيظة أحد، وقالها مراراً : نحن لسنا كاملين، نحن نجتهد ونتعلّم ونتطور باستمرار والخطأ ليس أمراً طبيعياً فحسب بل هو مطلبٌ ضروري حتى لا تفتر همّة الناجح.
في كل لقطة نراها لبو راشد وخلال كل جولة ميدانية، نجده بين فريق عمل يعترف بالكفاءة لا السن، فلا صغير على الإنجاز ولا كبير سنٍ على العطاء، في برهان حي بأنّه لا مكان للنجم الأوحد في كيانٍ ينشد منافسة النُخَب العالمية،.
وحيثما كان سموّه يؤمه شباب وطنه وكهوله ممن قدّمتهم الموهبة وصقلتهم التجارب، لا متصنّعين للحذق من أولئك الخبراء الذين يسخر من مثاليتهم اللامنطقية هينري مينكين بقوله: إنّهم لمجرد أنّ الوردة أجمل رائحةً من الملفوف فإنّها لا شك ستصنع حساءً أفضل.