وزع البيت الأبيض في الثامن عشر من مايو الجاري، بيانا أوضح فيه قرار الرئيس أوباما بتمديد العمل بمضمون الأمر التنفيذي 13303 لسنة أخرى، علما بأن هذا الأمر قد صدر في 22 مايو 2003 بعد غزو العراق مباشرة. وقد أدخلت عليه منذ ذلك الحين أربعة تعديلات، كان آخرها في 21 مايو عام 2008 السنة الأخيرة للرئيس بوش في البيت الأبيض.

يتعلق الأمر التنفيذي هذا بشأن "إعلان حالة الطوارئ لحماية العراق، والتعامل مع التهديد الاستثنائي للأمن القومي والسياسة الخارجية الأمريكية، نتيجة العوائق الناجمة عن إعادة إعمار العراق وإرساء السلام والاستقرار فيه، وتطوير المؤسسات السياسية والإدارية والاقتصادية هناك"..

هكذا أوضح البيت الأبيض مضمون هذا الأمر التنفيذي. قرارتجديد العمل بهذا الأمر، يعني أن الولايات المتحدة لا تزال تعتبر مبررات غزو العراق قائمة لاعتبارات تتعلق بأمنها القومي، وأن استمرار حالة عدم الاستقرار فيه يعتبر تهديدا لهذا الأمن. وقد يعني من جانب آخر اعترافا ضمنيا بالفشل، أو في أحسن الحالات بتعثر المشروع الذي ترعاه واشنطن منذ عشر سنوات في العراق.

وقد يعني كذلك أن الولايات المتحدة ملتزمة أدبيا وأخلاقيا بالوقوف إلى جانب الشعب العراقي، الذي أسهمت في التلاعب والمجازفة بمقدراته. إصدار قرارات سنوية من هذا النوع دون إجراء تعديل عليها، يعني أن لا تغيير في الموقف الأمريكي إزاء الوضع السياسي في البلد المعني بالقرار.

فقد أصدرت الإدارة الأمريكية في الآونة الأخيرة أوامر تنفيذية مماثلة، مددت بموجبها العمل بحالة الطوارئ إزاء الوضع في اليمن، ثم إزاء الوضع في سوريا، من منطلق الحفاظ على الأمن القومي الأمريكي.

والحقيقة أن ربط استقرار العراق بالأمن القومي الأمريكي يستوجب التوقف، فبالنسبة لدولة عظمى بحجم الولايات المتحدة، لم يعد مبدأ الأمن القومي يُنظر إليه من زاوية تتعلق بوجود خطر خارجي يهدد أرضها أو شعبها أو حلفاءها، بل أصبح يرتبط بمدى النجاح الذي تلقاه السياسات التي تنتهجها. فالفشل في التعامل مع قضية معينة في بلد معين، خطر على الأمن القومي للولايات المتحدة، لأنه ينتقص من هيبتها ويعرض مصداقيتها للتساؤل، ويضعف من قدرتها على إدامة تحالفاتها.

السلام والاستقرار وتطوير المؤسسات السياسية والإدارية والاقتصادية في العراق، التي يتحدث البيان عن ضرورة تحقيقها، وربط ذلك بالأمن القومي الأمريكي، من غير المضمون تحقيقها إن لم نقل من المستحيل ذلك. فهي لن تتحقق ما لم يتم إرساء العملية السياسية على أسس العدالة على المستويات المختلفة؛ قومية ودينية ومذهبية وسياسية واجتماعية واقتصادية.

وهذا مما لا تتوافر ظروف تحقيقه في ظل الأوضاع التي تنحدر بسرعة نحو المزيد من التدهور. فالصراع في العراق بدأ يتخذ منحى بعيدا جدا عن المسار الذي يحقق متطلبات إنشاء دولة مدنية، تتوافر فيها الظروف الملائمة لإرساء الاستقرار والسلام. المشهد السياسي العراقي أصبح متأثرا إلى حد بعيد بنفوذ رجال الدين ونفوذ شيوخ العشائر، رغم أن من يتجول في أروقة الدولة بسلطاتها الثلاث ويساهم في صنع القرار السياسي أو في التنديد به، يرتدي الحلة المدنية.

فمواقف هؤلاء أصبح يقررها الفعل أو رد الفعل لما يجري في ساحات التظاهر والاعتصام، التي يتسيدها رجال الدين ورجال العشائر، بعد أن تراجع دور الطبقة المتوسطة صانعة الحياة المدنية والمكرسة لقيمها وتقاليدها.

والحقيقة أن انتقال مفاتيح التحكم في المشهد السياسي من أيدي النخب المدنية إلى أيدي رجال الدين وشيوخ العشائر، أصبح ظاهرة من ظواهر التفكك في العراق على أسس طائفية ومناطقية. فالانقسام الطائفي يتعزز حين يتسيد المشهد السياسي رجال دين يصرون على استحضار الماضي البعيد وتوظيفه في صراعات الحاضر. كما أن التوجه نحو تبني مشاريع الأقاليم كحل للأزمة السياسية القائمة يعكس نزعة نحو المناطقية.

وفي هذا تعزيز لنفوذ شيوخ العشائر الذي تراجع إلى حد كبير في الحياة السياسية منذ ثورة 14 يوليو 1958 وصدور قانون الإصلاح الزراعي، الذي قلص إلى حد كبير مساحات ملكياتهم للأراضي الزراعية وبالتالي نفوذهم السياسي.

فقد شهدت مدن العراق في الفترة الأخيرة انهيارا أمنيا غير مسبوق، إثر حدوث تفجيرات كثيرة في مناطق مختلفة في العاصمة وفي غيرها، بطرائق مدروسة ومنظمة وممنهجة ومجدولة، وإثر عودة المليشيات لممارسة أعمال البلطجة والخطف والقتل على الهوية في شوارع العاصمة وفي وضح النهار.

وعودة ظاهرة الاغتيالات بكواتم الصوت أو العبوات الناسفة، في أجواء إخفاق أمني يثير الشكوك والتساؤل، مما أعاد إلى ذاكرة المواطن المبتلى، سيناريو القتل المتبادل عام 2006 وعودة الطائفية إلى الشارع الزاخر بالأزمات التي ما انفكت النخب السياسية التي تدير أوضاع العراق، تتفنن في صناعتها وإخراجها لإبعاد الأنظار عن الفشل الذي غرقت فيه جميعا من غير استثناء.

أمور عديدة تعزز المخاوف بشأن ما تضمره الأيام القادمة، أبرزها القلق الشديد من اندلاع الصراع الطائفي من جديد، بعد أن تعمق التخندق الطائفي إثر الانقسام في الموقف من الثورة في سوريا وتحولها إلى حرب إقليمية طائفية، بعد أن ألقت قوى من خارج سوريا بثقلها فيها لتزيد من استقطاب الوضع داخل العراق.

الوضع في العراق على درجة كبيرة من الخطورة، فالانقسام بلغ أشده، ليس بين العاملين في الوسط السياسي ومعارضيهم، بل بين النخب السياسية الشريكة في العملية السياسية. فقد وصلت العلاقة بين الحكومة ومجلس النواب إلى درجة القطيعة، وأصبح المجلس عاجزا عن ممارسة مهامه، وهي إحدى الثغرات الكثيرة التي ليس في الدستور مادة أو فقرة لمعالجتها.

وعودة إلى الحكاية عن علاقة الأوضاع في العراق بالأمن القومي الأمريكي، وبعد أن وقفت الولايات المتحدة موقف المتفرج على ما يجري فيه منذ انسحاب قواتها نهاية ديسمبر 2011، نتساءل ما الذي ستفعله بعد أن وصلت العملية السياسية إلى حافة الانهيار وأصبحت الأجواء مهيأة لصدام كبير، خاصة أن هناك من له مصلحة في تأجيج الصراعات وحسمها بشكل يلحق أبلغ الضرر بالأمن القومي الأمريكي.