الفساد والبوصلة الأخلاقية

في كلمة لرئيس مجموعة البنك الدولي "جيم يونغ كيم" في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، في واشنطن في يناير من هذا العام، حول مكافحة الفساد، أشار "كيم" إلى أن هناك علاقة عكسية بين النمو والفساد، ذلك أن الفساد يمثل تكلفة باهظة تتحملها الشركات، ويزيد من تكاليف إدارة وتشغيل الأعمال ويثبط همم المستثمرين، ولذا فهو عائق رئيسي أمام التنمية السليمة والعادلة في العالم.

وتذهب دراسات البنك الدولي إلى أن حجم الفساد على مستوى العالم يبلغ تريليوني دولار، منها تريليون دولار تدفع سنوياً رشاوى، وأن محاربة الفساد تحدّ عالمي.

وتبعا لصحيفة "نيويورك تايمز" فإنه في السنوات الأربع الماضية دفعت 58 شركة في الولايات المتحدة، ما مجموعه 3.74 مليارات دولار لتسوية تهم فساد، ومنذ عام 2009 وُجهت اتهامات لنحو 67 شخصاً، منهم 20 شخصاً لايزالون ينتظرون المحاكمة بينما تمت إدانة 42، لمخالفتهم قانون مكافحة الفساد في الممارسات الخارجية لعام 1977.

وفي بداية هذا القرن لم يكن معروفا مدى تأثير الفساد والممارسات غير الأخلاقية للشركات، على تقييم القدرة التنافسية لبيئة الأعمال والأداء المالي للدول وللشركات، وكان موضوع الفساد هامشياً غير مرتبط بالنواحي المالية والتنافسية للشركة.

ونتيجة لذلك كانت الشركات ترى أن موضوع الفساد مرتبط بالجهاز الحكومي، ويجب أن لا تكون مكافحته جزءاً من أهداف الشركة الاستراتيجية وآلية صنع القرار فيها. ولكن هذه النظرة الضيقة لموضوع الفساد وأخلاقيات الشركات، بدأت تتغير تدريجياً في العشرين سنة الماضية، وبدأت الدراسات والتجارب تظهر أن الفساد هو موضوع رئيسي له تأثير مباشر على تنافسية الشركة ونموها وديمومتها.

ورغم أن شركة سيمنس الألمانية تعتبر من أكبر الشركات الصناعية الأوروبية، حيث يبلغ عدد موظفيها 360 ألفا وبلغ دخلها عام 2012 ما يقارب 78 مليار يورو، لكنها أصيبت بنكسة أخلاقية كبيرة عام 2006، عندما تم الكشف عن قيام مئات الموظفين في الشركة بدفع ملايين الدولارات لعقود استشارات وهمية ورشاوى للكثير من المسؤولين الحكوميين في الدول النامية، للفوز بعقود ضخمة عن طريق وضع كبار المديرين التنفيذيين لسيمنس لأرقام معينة في قصاصات ورق لاصقة صغيرة على مكاتب موظفيهم، ما يعني أنه يمكن للموظف دفع رشوة بالمبلغ المدون على الورقة، لتفادي ترك أي دليل يُدين التنفيذيين أو الشركة.

وقد كشفت هذه الفضيحة أن ما تم دفعه تجاوز 1.3 مليار يورو، بينما تكبدت الشركة غرامات مالية تجاوزت 2.5 مليار يورو، إضافة إلى خسارة الكثير من العقود الضخمة.

وقد ظهر الكثير من القرائن العلمية والدراسات التي تدل على أن المنظومة التشريعية لمكافحة الفساد والرشوة، لا يمكنها أن تكون فعالة في أي دولة ما لم تكن الشركات جزءاً من هذه المنظومة. ولذا قامت منظمة الشفافية الدولية عام 2002 بوضع مبادئ لمكافحة الرشوة في الشركات، إيماناً منها بأهمية دور القطاع الخاص في مكافحة الفساد.

وفي دولة الإمارات فإن الشركات، العامة أو الخاصة، تبقى هي الحلقة الأضعف وغير القادرة على مواكبة القفزات التي تقوم بها الدولة في سعيها الحثيث لتفعيل الإجراءات الوقائية والرقابية، اللازمة لضمان حسن استخدام المال العام ومكافحة جميع أشكال الفساد المالي والإداري. وإذا لم تقم هذه الشركات ببناء ثقافة الشفافية والالتزام الأخلاقي، فقد تصبح عبئاً على الدولة على المدى الطويل.

وعلى عكس القطاع الخاص في دولة الإمارات، من السهل الوقوف على ما أنجزه القطاع العام لنشر ثقافة النزاهة والشفافية ومكافحة الفساد، حيث وضعت الدولة معايير وممارسات للحد الأدنى من الإجراءات اللازمة لضمان حسن استخدام المال العام، ومكافحة جميع أنواع الفساد في المؤسسات الحكومية، عبر إصدار ديوان المحاسبة عام 2011 دليلا لأفضل الممارسات في مجال مكافحة الاحتيال والفساد، في مؤسسات القطاع العام.

وهذه المبادرة هي تفعيل لمبدأ "تعزيز الشفافية ونظم الحوكمة الرشيدة في الجهات الاتحادية"، الذي يعتبر من المبادئ العامة التي ترتكز عليها استراتيجية حكومة دولة الامارات (2011-2013)، كما أقرت الدولة الكثير من التشريعات والقوانين التي ساعدت على إيجاد منظومة إجرائية وقضائية متكاملة، ساهمت في حصولها على المرتبة الأولى عربياً والسابعة والعشرين عالمياً، على مؤشر مدركات الفساد لعام 2012، والذي تطلقه منظمة الشفافية العالمية، كما حققت دولة الإمارات المرتبة الأولى عربياً والخامسة عالمياً في مجال تمكين التجارة عبر الحدود، في مؤشر تقرير ممارسة الأعمال لعام 2012 الصادر عن البنك الدولي.

إن مرونة وسرعة تكيف القطاع العام في دولة الإمارات وتفوقه على القطاع الخاص، بما يمتلكه من رؤية أكثر وضوحا للتحديات وكيفية التعامل معها، يجعل القطاع الخاص في تحد حقيقي لمواكبة القطاع العام، وخلق شراكة حقيقية مبنية على التكامل والتعاون في مواجهة التحديات الاقتصادية.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات