إلى أي مدى أرضى غرورنا؟ وإلى أي مدى قدم لنا حقائق عن الواقع الذي نعيشه على الأرض؟ وإلى أي مدى أثار مخاوفنا؟

هذه هي الأسئلة التي خرجت بها من المؤتمر السنوي الثالث، الذي نظمته "ندوة الثقافة والعلوم" الأسبوع الماضي، تحت عنوان "الإمارات في عيون الجاليات". فرغم الصورة الإيجابية التي قدمتها الأوراق المشاركة في المؤتمر عن نظرة الجاليات العربية والآسيوية والأوروبية والأميركية عن نموذج الإمارات، إلا أن هذه الصورة بدت في مرمى بعض المخاوف التي عبر عنها البعض.

لا سيما المتداخلون بعد عرض الأوراق. ويأتي على رأس هذه المخاوف ضياع الهوية التي تبدو مهددة، رغم كل محاولات المحافظة عليها، والنأي بها عن الذوبان وسط خليط الجنسيات واللغات والأديان والثقافات، الذي يشكل السمة الأبرز في مجتمع الإمارات، وإن كان هناك ما هو أخطر من ضياع الهوية، مما كشفت عنه بعض الأوراق أو ألمحت إليه.

النموذج الإماراتي الذي يعتبره البعض "معجزة" بكل المقاييس، ينظر إليه كل طرف من زاوية مختلفة، أهمها في رأيي الزاوية التي نظر منها الباحث الهندي الدكتور "جناردين" متحدثا عن الجالية الآسيوية في الإمارات، حيث تناول في البداية التأثير الإيجابي لنموذج الإمارات على الأجيال الآسيوية الجديدة وغيرها.

من خلال تحويلهم إلى مواطنين عالميين قادرين على استيعاب مختلف أنواع الثقافات. وقدم نفسه مثالا للتغيير الذي أحدثته الإمارات فيه قائلا: يقولون إن "الوطن حيث القلب"، لكنني أقول من خلال واقع عملي إن "الوطن حيث العمل".

يذكر الدكتور "جناردين" أنه بعد الأعوام الثلاثة عشرة التي استوطن فيها هذا الجزء الصغير من الخليج، فإن هذا البلد لم يعد وطنه فقط، وإنما أعطاه الفرصة لنشر جناحيه والارتفاع إلى مستويات لم يكن يتصورها قبل عقد من الزمان تقريبا. مضيفا: كجزء من عملي محللا سياسيا.

وفي مجال صنع السياسات للحكومة الاتحادية، فكثيرا ما كنت أضطر إلى ارتداء قبعة التفكير الإماراتي فوق قلبي وعقلي الهندي، حتى أن زوجتي كانت تتندر عليّ قائلة إنني مصاب بانفصام في الشخصية، واصفة إياي بأنني "هندي القلب، إماراتي العقل".

ويضيف: كان واحدا من أكثر الآثار التي تركتها إقامتي في الإمارات، تحسن مفهومي للدين والتسامح الديني، إذ أصبح الدين بالنسبة لي شأنا خاصا أكثر منه تعبيرا عاما، الأمر الذي جعلني أشعر براحة أكبر. كما تغير موقفي من باكستان والباكستانيين.

فأصبح لي صديق باكستاني يزورني هو وعائلته لتناول العشاء في بيتي، كما أصبحنا نأكل نحن أيضا في بيتهم. وأنا الآن قادر على الاستمتاع أكثر بمباراة كريكت هندية باكستانية، كانت بالنسبة لي واحدة من مصادر الاحتكاك الرئيسية بين مواطني البلدين.

أما ابنه الذي نشأ في الإمارات، فهو متقدم عليه خطوة، كما يرى الدكتور "جناردين"، وعلاقته مع واقع الإمارات والجوانب الدينية خير مثال لتعزيز مفاهيم "الدين الكوني" و"المواطن العالمي".

فعندما كان ابنه، البالغ من العمر تسع سنوات الآن، في الثانية من عمره، كان هو وزوجته يشيران إلى المساجد، ويقولان له إنها مثل المعابد عندهم، وكانا يطلبان منه أن يضم يديه ويرفعهما أمام صدره "ناماستي" عندما يسمع الأذان. وقد أصبح هذا جزءا لا يتجزأ من تكوينه الداخلي، حتى أنه يفعل ذلك.

وهو نصف نائم، عندما يسمع الأذان. ولأنه تعلم بعض الآيات القرآنية في المدرسة، فهو يحرص على الصيام خلال شهر رمضان لأن صديقه يفعل ذلك. ويضيف الدكتور "جناردين": أنا فخور بأن ابني تعلم اللغة العربية بشكل جيد في المدرسة دون أن يأخذ دروسا خصوصية، كما أنه يحفظ النشيد الوطني الإماراتي "عيشي بلادي" تماما كما يحفظ النشيد الوطني الهندي "جانا غانا مانا"، ويجيد عزف كل منهما على لوحة المفاتيح.

وبعد هذا الحديث عن الآثار الإيجابية التي تركها نموذج الإمارات على الجاليات، يلج الدكتور "جناردين" إلى النقطة الأهم التي نقف جميعا عندها، فيتحدث عن الخطر الذي تواجهه الهوية الوطنية من وجود المغتربين في المنطقة، مذكرا بتحذير أحد وزراء العمل الخليجيين.

عندما قال إن المغتربين يشكلون "خطرا أسوأ من قنبلة ذرية، أو هجوم إسرائيلي"، فيقول إن مثل هذه التصورات قابلة للنقاش، معتقدا أن المغتربين في الإمارات ودول الخليج، هم عامل استقرار أكثر منهم عامل زعزعة. ولأن قواعد الارتباط تغيرت باستمرار لدى المغتربين.

فإن تدفقهم واستمرارهم مرهون بالعوامل الاقتصادية، وهذا يحتم على الحكومات اتخاذ خطوات استباقية، وليس ردات فعل، واتخاذ تدابير لتصورات التهديد، فمن غير المرجح أن يقدّم المغتربون طوعا تنازلات من شأنها تغيير النسق الحالي.

كما أنه من غير المرجح أن تقدّم الحكومات تنازلات، بسبب هذه الحساسيات وتشعباتها. الحاجة إلى تحقيق توازن صحي مهمة، ليس فقط لأن المغتربين حاليا هم الأغلبية الساحقة، وإنما لأن عدد هؤلاء المغتربين يمكن أن يصل إلى 30 مليونا بحلول عام 2025م.

يقول الدكتور "جناردين" في ختام ورقته: من المناسب أن أذكر هنا ما قاله رئيس الوزراء السنغافوري "لي كوان يو" عام 2007م، عندما شبه سنغافورة ودول الخليج بشجرة عيد الميلاد، مع الفارق، ففي سنغافورة يشكل المواطنون الجزء الرئيسي من الشجرة، بينما يشكل المغتربون الزخارف.

وتستطيع أن تزيل الزخارف دون أن تسقط الشجرة. والعكس في الخليج، إذ يتكون الجزء الرئيسي للشجرة من المغتربين، بينما يشكل المواطنون الزخارف، والزخارف لا تستطيع أن تحافظ على الشجرة متجذرة في الأرض، إذا تمت إزالة الفروع الرئيسية. لهذا على دول الخليج أن تفكر في البدائل على المدى الطويل.

في ورقة الدكتور "جناردين" التي أعتقد أنها من أفضل الأوراق التي تتحدث عن الحالة، الكثير من النقاط الجديرة بالاهتمام، وفيها الكثير من الأجراس التي يجب الاستماع إلى قرعها.. وللحديث بقية.