رغم أنني تمنيت ألا يكون الفاعل في جريمة بوسطن عربياً أو مسلماً، لئلا يحاسب ملايين المسلمين حول العالم على جريمة ارتكبها شخص لم يجد للتعبير عن رأيه السياسي سوى استهداف مدنيين أثناء حدث رياضي، ليقتل ثلاثة ويصيب مئة بعضهم سيعيشون باقي أعمارهم بعاهات مستديمة، إلا أن ما استحوذ على اهتمامي في متابعة ذلك الحدث، كان شيئاً آخر تماماً.

فما يدعو إلى التسجيل حقاً، هو المدى الذي ذهب إليه القصف المنظم للحريات في بلد الحريات!

كنت في واشنطن لحضور مؤتمر بعد الحدث مباشرة، وقد استرعى انتباهي ما جرى في الفترة السابقة مباشرة على إلقاء القبض على المتهم الثاني ذي التسعة عشر عاماً، بعد أن لقي الأول مصرعه. فقد تم إغلاق مدينة بوسطن بالكامل.

ففي مؤتمر صحافي عقدته شرطة المدينة وحضره حاكم الولاية، تم الإعلان عن أن الفتى المتهم ذي التسعة عشر عاماً، الذي وصف بأنه "إرهابي خطير" لا يزال هارباً، وعليه أعلنت الشرطة إغلاق المدينة بالكامل حتى إشعار آخر.

فهي طالبت سكان بوسطن، البالغ عددهم أكثر من المليون نسمة، بعدم الخروج مطلقاً من منازلهم، والامتناع تماماً عن استقبال زوار، إلا إذا كانوا من رجال البوليس طبعاً. وأجبرت الشرطة أصحاب الأعمال، بكافة أنواعها، على إغلاق أبوابهم.

كما تم وقف كافة وسائل المواصلات العامة، من القطارات للباصات والسفن. واستمرت الشرطة تلاحق المتهم الهارب فتدق أبواب المنازل، الواحد تلو الآخر، لتفتشها بحثاً عنه، إلى أن أبلغ أحد السكان عن اختباء الفتى في قارب صغير أمام بيته.

ما استرعى انتباهي وفاجأني في الحقيقة، كان رد فعل أبناء المدينة، بل ورد فعل الأميركيين عموماً. فقد التزم أهالي المدينة بتنفيذ الأوامر بالحرف الواحد. وحين تم القبض على الفتى، استقبلوا رجال الشرطة استقبال الأبطال في احتفالات كبيرة. لكن الصمت كان مدوياً بشأن اللجوء لحبس مدينة بأكملها للبحث عن مجرم هارب.

وخلال إقامتي في الولايات المتحدة، حرصت على أن أسمع من الأميركيين رد فعلهم، فكنت أسألهم عن رأيهم في أحداث بوسطن، ففوجئت بأن أغلبهم لم ينتبه أصلا لخطورة ما جرى وعلاقته بالحريات المدنية، واعترف بعضهم بأن القلق الذي انتابهم، جعل كل تركيزهم منصبا فقط على متابعة البحث عن الهارب، ثم شعروا بالارتياح حين صار في قبضة الأمن.

والحقيقة أن تلك هي المرة الأولى التي يتم فيها حبس مدينة بأكملها للقبض على هارب، في تاريخ أميركا المعاصر على الأقل. وقد فسر البعض المبالغة الأميركية، أي حصار المدينة، بأن الأميركيين لم يعتادوا حوادث "الإرهاب" مثل البريطانيين مع الجيش الإيرلندي.

لكنني قلت لهم إن ذلك المنطق لا يصمد أمام أي تحليل موضوعي، فمنذ شهرين فقط، كان ضابط سابق في شرطة كاليفورنيا قد قتل أربعة ضباط وجرح آخرين، وظل طليقاً لأسبوع كامل تبحث عنه الشرطة في كل مكان، دون أن يتم إغلاق مدينة لوس أنجلوس.

وحين حدث انفجار ضخم في مصنع كيماوي للسماد في مدينة صغيرة بولاية تكساس بالتزامن مع واقعة بوسطن، قتل فيه 14 شخصا وجرح أكثر من مئة، لم يتم إغلاق المدينة، رغم أن الكيماويات في المصنع المحترق تمثل على الأرجح خطرا كبيرا على البيئة وصحة المواطنين.

ولا يكاد عام واحد يمر دون أن تعاني أميركا جريمة كبرى تهز مواطنيها، ويبقى فيها المجرم طليقا لأيام وربما لشهور.. سفاح متخصص مثلا في قتل النساء، أو مختل خطير يطلق النار عشوائيا، ومع ذلك لم يتم حبس مدينة بأكملها في أي من تلك الحوادث!

الجدير بالتأمل أن الفارق الوحيد بين تلك الأحداث وواقعة بوسطن، هو أن الأخيرة صنفت باعتبار أنها عمل "إرهابي"، ومن هنا تأتي خطورة ما جرى في بوسطن.

ففضلاً عما ينطوي عليه الحدث من بارانويا تجاه "الآخر المختلف"، سواء كان عربيا أو شيشانيا أو مسلما، فإنه يكشف عن تجذر ثقافة الخوف التي تم زرعها بعد أحداث سبتمبر، والتي صار معها الأميركيون على استعداد للتخلي عن حرياتهم مقابل الأمن الشخصي. وتسمح تلك الثقافة بغض الطرف عن اعتداءات جسيمة على الحريات المدنية، وتوسيع نطاق عسكرة المجتمع.

فمنذ أحداث سبتمبر، صارت السرية هي عنوان عمل الحكومة الأميركية، وتم تقنين التنصت على المواطنين دون إذن قانوني، بما في ذلك مراقبة منازلهم وهواتفهم وبريدهم الإلكتروني، وكل ما يطلعون عليه على شبكة الإنترنت وفي المكتبات. هذا ناهيك عن تجاهل الحقوق المدنية لمواطنين أميركيين تم حبسهم في حملات لملاحقة "بالإرهاب"، دون توجيه اتهام لهم ودون تقديم أدلة.

أما العسكرة، فمن شاهد على شاشات التلفزيون ما جرى في بوسطن، يدرك بوضوح أن القوات الخاصة التابعة للشرطة، كانت تستخدم أسلحة عسكرية وعربات مصفحة. وتلك القوات هي التي كانت تطرق أبواب المنازل لتفتيشها، لا وحدات الشرطة العادية.

لكن السؤال؛ ما لنا نحن العرب وانحسار الحريات المدنية في الولايات المتحدة الأميركية؟ الإجابة عندي أن الموضوع يعنينا للغاية.

فرغم كل التحفظات على طبيعة الديمقراطية الأميركية مقارنة بديمقراطيات أخرى، إلا أن الولايات المتحدة هي بلد الحريات بلا شك.

ومن ثم، فإنه فضلا عن أن قصف الحريات يثير قلق كل المهمومين بحقوق الإنسان في العالم، فإن قصفها في بلد الحريات بالذات، يعطي شيكا على بياض للشمولية حول العالم لتفعل ما تشاء بشعوبها.

وهذا ما حدث فعلا في عدد من الدول الأجنبية والعربية، وعلى رأسها مصر بعد صدور قانون باتريوت في 2001، فقد استخدم وقتها كمبرر لقصف الحريات في بلدان أخرى، طالما أنه يحدث في بلد الحريات!