سلوم

ولد عشا

(ولد عشا) صفة قل ما نسمعها اليوم في أحاديثنا اليومية، سواء كان في العمل أو في البيوت أو مع الأصدقاء، وهي جملة من تراثنا الاجتماعي العريق، وتطلق على الشخص لمدحه والثناء عليه، ولا تعد كأي جملة من جمل الثناء والمدح، كقول البعض لشخص ما فلان صادق أو أمين أو رجل، فالفرق بين هذه الصفات وصفة (ولد عشا) هي أن تلك الصفات مباشرة وتأتي فاصلة.

أما جملتنا فهي تحتوي على عمق في المعنى، ولعل التراث العربي والعالمي أيضاً حمل هذه الصفة كقولهم في بعض تلك الدول (ولد ليل) ولأوضح تلك الصورة أكثر دعونا نغمض أعيننا ونتخيل أننا في زمن ما قبل الاختراعات وفي قرية لا يتعدى عدد بيوتها الثلاثين بيتاً تناثرت هنا وهناك، وقد استيقظ سكانها في الصباح الباكر مع استيقاظ الضوء طالبين الرزق، فمنهم المزارع ومنهم الراعي ومنهم صاحب حرفة صيد في البحر.. الخ.

وجميعهم يعملون بجهد ليأمنوا قوت يومهم ولا يتوقفون عن العمل إلا مع غروب الشمس، ولا يكاد وقت صلاة العشا ينتهي حتى نجد الجميع قد غطّ في نومٍ عميق بعد يوم مضن وشاق، وفي هذه الأثناء يأتي ذلك الضيف الذي يقلب ليلهم رأساً على عقب، بداية مع أنين أمه الذي يسمعه حتى من سكن القرى المجاورة، وبعدها بصراخه هو فينقضي الليل في تعب وجهد، مع العلم بأن الرزق والعمل الذي ينتظرهم في الغد لن ولن يتوقف.

فيقوم ذلك المولود بجعل القرية في حالة استنفار تام خوفاً على أمه من خطر الولادة وعلى سلامتها، وعليه فيكون قد أبصر النور بعد أن أرق وأجهد جميع من في الحي، والآن دعونا نفتح أعيننا ونتخيل أن ذلك الصبي قد أتى في وقت النهار فلم يعلم به أحد سوى أهله في وقت ولادته، هنا يتجلى الفرق، ومن هنا كانت جملة (ولد عشا) هي بمثابة إطراء وتيمناً بقدومه الذي أشغل الجميع وجعلهم في حالة استنفار، و (ولد عشا) تعني أنه شجاع مقدام (وذرب) ورجل بكل معنى الكلمة.

وبمجرد أن يعرف الشخص أن موعد ولادته في الليل يفرح ويشعر بنشوة الفخر، كما أن مدح الشباب بهذه الجملة هو في حد ذاته تشجيع لهم بالتحلي بصفات الرجولة والتمسك بها، ومن وجهة نظري الشخصية أقول إنه لا يعني هذا الكلام أن من ولد في غير وقت العشاء لا يحمل الصفات التي تم ذكرها أعلاه، فالرجولة تكتسب بالتربية الجيدة، وهي نشء ينتج من البيوت الأصيلة حتى وإن كانت تلك البيوت لا تمتلك إلا قوت يومها في بعض الأحيان.

وللحـديـث صلـة..

طباعة Email
تعليقات

تعليقات