هل هي النخوة العربية التي تراجعت إلى أدنى مستوياتها، أم هو الشعور الوطني الذي تبلد فلم يعد نابضا كما كان؟ أم هو الزمن الذي تبدل فلم يعد واعدا بالوطن الأكبر، أم هي المؤامرة التي أحكمت قبضتها، وبدأت تحصد نجاحاتها؟!

حزمة من الأسئلة طرحت نفسها الأسبوع الماضي، منذ توارد أخبار الغارات الإسرائلية على ثلاثة مواقع عسكرية سورية غرب دمشق، في ظل ردود الأفعال التي صدرت من مختلف الأطراف، عاكسة صورة كئيبة لواقع عربي أشد كآبة، ظن الكثيرون أنه سيصبح أكثر إشراقا بعد موجة "الربيع" الطارئة التي اجتاحت العالم العربي، فإذا به أكثر ظلمة من سنوات ما قبل "الربيع" المأزوم.

تصوروا كيف كانت ستكون ردة الفعل، لو أن هذه الغارات حدثت قبل هذا "الربيع" الذي لم يكتمل. لن تكون ردة فعل النظام السوري أفضل من ردات فعله السابقة، التي يكرر فيها دائما أنه يحتفظ بحق الرد في الوقت المناسب وبالشكل المناسب.

ولن تزحف الجيوش العربية بالطبع على إسرائيل كي تؤدبها، لكننا كنا سنسمع، على الأقل، بيانات شجب واستنكار أقوى من هذه التي سمعناها الأسبوع الماضي من بعض الدول العربية، التي عبرت عن استنكارها واستيائها على استحياء دونه خفر العذارى.

بينما وجدت الغالبية العظمى من الدول والشعوب، بما فيها المعارضة السورية، في هذه الغارات فرصة للتشفي من النظام السوري المخضبة يداه بدماء شعبه. تصوروا أننا لم نعد نحلم بأكثر من بيانات شجب واستنكار، كنا ذات يوم نستهجنها فأصبحنا اليوم نشتاق إلى سماعها!

لسنا في موقع الدفاع عن النظام السوري، فهو نظام دموي مستبد ومجرم، قبل أن يثور عليه شعبه، وبعد أن ثار عليه، وحتى يتخلص منه، لكننا في مقام المقارنة بين أنظمة لم تعد تربط بينها قضية مركزية واحدة، ولا تجمعها معركة مصيرية يتوقف عليها بقاؤها أو زوالها وتمزقها إلى دويلات وكيانات صغيرة ضعيفة لا حول لها ولا قوة.

إن من يغمض عينيه عن الحروب الطائفية والمذهبية والعرقية التي تدور رحاها في بعض الدول العربية، فكأنما يغمض عينيه عن وحش كاسر يغرس فيه أنيابه ليمزقه إربا، فما يحدث في العراق وسوريا، على وجه التحديد، تجاوز مرحلة التخطيط لتمزيق هذه الدول إلى مرحلة التنفيذ.

وعلى الطريق، إذا استمر هذا السبات العربي، دول أخرى بدأت الطائفية والمذهبية تنشب فيها أظفارها، وتقطف ثمار ما بذرته فيها على مدى سنوات من إذكاء نار الفتنة بين الطوائف والمذاهب والعرقيات التي لا يخلو منها بلد عربي.

وبدا واضحا أن مخطط إزاحة بعض الأنظمة، على ما فيها من فساد وديكتاتورية، كان لإفساح المجال لأنظمة جديدة لا تقل عن سابقتها فسادا وديكتاتورية وتكالبا على السلطة، كي تتحول هذه الدول إلى ساحات للخلافات والصراعات المسلحة، والتصفيات الجسدية، وتكريس الانفصال أمرا واقعا، ليصبح بمرور الوقت حقيقة على الأرض يجب التعايش معها.

العراق اليوم هو أوضح نموذج لهذه الحالة، بينما تشكل سوريا نموذجا آخر من نماذج هذا الانحدار نحو الهاوية، ربما يختلف في الشكل إلى حد ما، لكنه يتفق في المضمون والنتيجة، خاصة بعد أن بدأت التصفية المذهبية والطائفية تأخذ شكلا مأساويا، أوضح مثال له مذبحة "بانياس" التي تعد نموذجا بشعا لما يمكن أن يصل إليه الحال في سوريا، التي أصبحت على مسافة قريبة من الانفصال والتمزق، إن لم تكن قد تمزقت فعلا من الداخل، وإن كان النظام يدعي خلاف ذلك، كي يبرر وجوده وبقاءه على رأس السلطة.

سواء كان النظام السوري المتهاوي هو المقصود بالغارات الإسرائيلية الأخيرة، أو كان المقصود بها حليفه "حزب الله" الذي خسر جزءا كبيرا من الرصيد الشعبي الذي كونه لنفسه بعد حرب تموز عام 2006 مع إسرائيل، رغم انقسام الموقف العربي الرسمي حوله.

فإن الهدف الأكبر الذي تعرض لهذه النيران هو "المواطن العربي"، الذي أصبح حائرا بين الغضب لهذه الضربات التي أقدمت عليها إسرائيل بدعم أميركي واضح، وبين التشفي من النظام السوري وحليفه حزب الله اللبناني، اللذين تعرضا لهذ الضربات، وإن كانت ضربات جاءت بيد من اعتدنا تسميته "العدو التاريخي" لأمتنا.. فالواضح أن الأمة العربية أصبح لها أعداء من الداخل، أكثر قسوة وشراسة ودموية من أعداء الخارج الذين ظلت تحاربهم عقودا من الزمن!

هل نحن واقفون اليوم على مشارف "سايكس ـ بيكو" جديدة في المنطقة، يعاد فيها رسم الحدود، ويتم من خلالها صنع كيانات طائفية وعرقية ومذهبية، أكثر هشاشة من الكيانات العربية التي رسمت خريطتها "سايكس ـ بيكو" الأولى قبل مئة عام تقريبا؟

ربما يبدو الأمر أكثر خطورة هذه المرة، فإذا كانت "سايكس ـ بيكو" الأولى قد قسمت الهلال الخصيب بين فرنسا وبريطانيا، بعد تهاوي الإمبراطورية العثمانية التي كانت مسيطرة على المنطقة قبل الحرب العالمية الأولى، فإن "سايكس ـ بيكو" الجديدة، التي تبدو معالمها واضحة هذه الأيام، تشمل الوطن العربي كله من مشرقه إلى مغربه.

وتلعب على وتر توازن الضعف بين هذه الكيانات، لا توازن القوة، فالكل فيها ضعيف لا يقوى على النهوض، رغم مشاريع النهضة التي نسمع عنها ولا نرى لها مقدمات مطمئنة ولا أثرا قريبا.

كياناتٌ الكلُّ فيها منكفئ على نفسه، منشغل بمشاكله الداخلية، خاسر في المحصلة النهائية، وأول الخاسرين هو "الوطن العربي" الذي نخشى أن لا يبقى منه للأمة سوى نشيد "الوطن الأكبر" الذي نعرفه جميعا، ونعيش على أمل أن نراه يقترب، بينما يوغل هو في الابتعاد، مثل سراب "الوحدة العربية" الذي نطارده منذ مئة عام، دون أن نقبض على شيء منه.