أنهى الوزراء والنواب الكرد مقاطعتهم لاجتماعات مجلسي الوزراء والنواب، إثر الاتفاق الذي أبرم بين رئيس وزراء إقليم كردستان ورئيس الوزراء العراقي في الأول من مايو الجاري، وتوصلا فيه حسب ما ورد عن وكالات الأنباء، إلى تشكيل لجنة لحسم جميع الخلافات بين بغداد وإربيل.

الاتفاق أنهى مقاطعة استمرت شهرين، على خلفية إقرار الموازنة المالية بتجاهل الاعتراضات الكردية، مما اعتبره الكرد سابقة تُخل بالمبادئ الثلاثة التي بنيت عليها العملية السياسية.

وهي: المشاركة، والتوازن، والتوافق. وقد تم التوصل إلى هذا الاتفاق المثير للجدل، بعد مجزرة الحويجة وعلى إيقاع التظاهرات والاعتصامات في المنطقة الغربية، التي تقابلها الحكومة بإهمال وتجاهل من جهة، وإيقاع انتشار قوات البيشمركة الكردية في كركوك، والذي تجاهلت الحكومة التعليق عليه أو إبداء موقف منه، من جهة أخرى.

الاتفاق يدعو للاستغراب حقا، فهو لم يكن متوقعا ربما إلا من قبل قلة ممن لهم صلات بالقنوات السرية، التي طبخ فيها بمعزل عن الإعلام وعن القوى السياسية الأخرى. فالانقلاب المفاجئ في الموقف الكردي يثير الحيرة ولا يمكن تفسيره، فالحوار بين بغداد وإربيل أصبح حوار طرشان في الفترة الأخيرة.

حيث عمد الكرد على مدى العام المنصرم، إلى تحشيد الجهود وجمع الأصوات في المجلس النيابي لسحب الثقة عن حكومة المالكي، ليأسهم من التوصل إلى اتفاق إيجابي معها، وأصبحت تبعا لذلك سمة العلاقة بين الطرفين: التباعد وليس التقارب.

والحقيقة أن هذا التغير المفاجئ في موقف الطرفين، لا يمكن تفسيره دون الأخذ بنظر الاعتبار حجم الضغوط غير المعلنة التي مارستها جهات خارجية عليهما، إذ ليس من مصلحة الولايات المتحدة وإيران، الدولتين الأكثر تأثيرا في رسم ملامح الوضع في العراق، أن تنهار العملية السياسية الجارية فيه.

في ظل الأجواء الملتهبة التي تشهدها المنطقة، حيث إن الضمان الوحيد لاستمرارها لحين الانتخابات النيابية القادمة، بعد أقل من سنة، هو إبقاء جميع الأطراف ضعيفة يحتاج كل منها إلى الحفاظ على بعض خيوط التلاقي مع الأطراف الأخرى، وتجميد الخلافات القائمة تحت واجهات إعلامية، كالتي أطرت البيان الذي نشر عن اللقاء الذي نحن بصدده.

إن توقيت الإعلان عن هذا الاتفاق، قد أربك المعادلات السياسية القلقة جدا في العراق، وترك الراصد لها في حيرة. فهناك تخوف لدى أطراف مهمة في العملية السياسية، من الهدف الحقيقي لهذا الاتفاق الذي لم تكن له مقدمات تذكر، والذي أحدث تداعيات على محورين أحدهما ثانوي والآخر رئيسي. فعلى مستوى المحور الأول هناك قلق مشروع لدى عرب وتركمان كركوك، من أن هذا الاتفاق قد لا يكون في صالحهما.

سيما وأن قضية كركوك عقبة صعبة، وقضية وجود بالنسبة لهما ينبغي أن يكون هناك ما يقولانه في شأنها، لأنها قضيتهما كما هي قضية الكرد، وحلها يتطلب إشراك مواطنيها الذين هم على اتصال يومي بكل ما يتعلق بحاضرها ومستقبلها.

أما على مستوى المحور الثاني، فتوجه الكرد نحو إنجاز صفقة مع حكومة المالكي، أثار مخاوف في المناطق الغربية والشمالية التي تشهد تظاهرات واعتصامات على قاعدة مطالب عديدة لم تعرها الحكومة آذانا صاغية، وهذا الاتفاق سيعطي المالكي فرصة التفرغ لتصفيتهم، كما حصل في قضاء الحويجة في الثالث والعشرين من إبريل المنصرم. فمن هذا المنطلق، يرى هؤلاء أن هذا الاتفاق قد جاء كطوق نجاة لهذه الحكومة التي تمر بأضعف حالاتها.

إن نظرة متمعنة لبنود الاتفاق التي وردت في الإعلان، لا تقنع الراصد للشأن العراقي بجديته، فأربعة من بنوده لا تمثل خلافات جوهرية جدية صعبة الحل، فهي قضايا ثانوية الأهمية قد لا يخرج بعضها عن الطابع البروتوكولي، كإعادة فتح مكاتب تمثيل واتصال في العاصمتين، وتعويض ذوي ضحايا عمليات الأنفال وضحايا القصف الكيميائي.

وإنشاء إدارة مشتركة لمنح التأشيرات وإدارة المطارات من قبل حكومتي المركز والإقليم، وتعديل قانون موازنة العام الجاري. أما القضايا الأخرى، فهي قانون النفط والغاز، وصلاحيات قوات عمليات دجلة، ومستقبل الأراضي المتنازع عليها حسب المادة 140 من الدستور، فهي قضايا شائكة ولا يمكن أن تحل إلا في إطار إجماع وطني.

إن حل القضايا بين المركز والإقليم في الأطر الفكرية والسياسية التي تتبناها حكومة المالكي مستبعد جدا، فمقاربة هذه القضايا تتطلب عقلية تؤمن حقيقة بالنظام اللامركزي، وتتمتع بقدر كبير من المرونة، وهو ما تفتقر إليه حكومته التي أثبتت عمليا على مدى السنوات المنصرمة، أنها تسعى لمركزية صارمة تتركز جميع السلطات فيها لدى رئيس الوزراء.

كما أن الاختلاف بين الطرفين في الرؤى الاستراتيجية لمجمل العملية السياسية، يقف حائلا أمام أي اتفاق جدي بينهما. فرئيس الوزراء لم يعد يخفي في الفترة الأخيرة رغبته والتحالف الذي يستند إليه، في التوجه نحو حكومة أغلبية سياسية، وهذا على الضد تماما من الموقف الكردي الذي يصر على الإبقاء على مبدأ "المشاركة - التوازن التوازن".

من جانب آخر، من الصعب الحديث عن ضمان لتنفيذ هذا الاتفاق غير المكتوب وغير الموثق، فهو اتفاق أقل أهمية من اتفاق إربيل المكتوب والموثق، الذي منح حكومة المالكي شرعية الوجود والذي لم ينفذ منه سوى الفقرة التي سمحت للمالكي بتشكيل الحكومة. نتائج الاتفاقات الجانبية غير محمودة، فهي تضعف الجميع، وضمنهم الجهة التي تستفيد منها، فقضية الحريات وحقوق المواطنة والديمقراطية، هي قضايا أساسية للجميع في الوقت الحاضر.

فمع التراجع في مساحة الحريات، وخاصة حرية الإعلام، ومع الإيغال في تجاهل حقوق الإنسان، بعد أن اتخذت الحكومة مؤخرا قرارا بسحب تراخيص عشر قنوات فضائية، فإن المتوقع أن تصبح قضايا كهذه على جدول اللقاءات مع الحكومة، للحصول على ضمانات بالالتزام بها قبل التطرق إلى أية مطالب آخرى. فالاتفاق مع الحكومة في الأجواء المكهربة التي تسود الوسط السياسي العراقي، والتي تثير الشكوك، ليس في صالح الجهة التي تعقد الاتفاق على المدى البعيد.