تنتابني بين الفينة والأخرى تساؤلات مريرة أعرف جوابها الحقيقي كما يعرف غيري ولكننا نهرب من تلك الإجابات "المنفيّة طوعاً": هل نعيش حياتنا كما نريد نحن أم كما يريد الآخرون أن نعيشها؟

هل نُقرّر احتياجاتنا أم أنّ هناك من "يُغشّشنا" ما نحتاج إليه فعلاً؟ هل نقدّر ذواتنا ونحترم تفرّدنا أم أنّ هناك من يُحدّد ذلك التقدير والاحترام نيابةً عنّا بمقاييسه هو لا بمقاييسنا نحن؟ هل نتحرك في عوالمنا برغبتنا المحضة أم أنّ أيدى خفيّة تُحرّكنا بالريموت كونترول دون أن نشعر أو ربما نشعر ولكننا لا نريد أن نعترف بذلك؟

العالم يعج بقرابة السبعة مليارات من البشر، يستوطنون عديداً من البلدان، ويحملون جنسّياتٍ مختلفة تبعاً لتلك الدول، مواطنون نعم بدولهم لكنهم يحملون دون أن يشعروا جوازات سفر وتبعية لدولٍ أخرى غير مرئية،.

وصكوك رقٍ غير منتبهٍ لها، هي من تُحرّكهم وتُحدّد توجهاتهم وتُمسِك بتلابيبِ أذهانهم وتُدغدغُ مشاعرهم حتى تصل إلى بُغيتها الأهم ألا وهي "جيوبهم"، نعم أيها السادة، الأوطان غير المرئية هي الشركات المصنّعة للمنتجات وماركاتها ذائعة الصيت والتي تُسيّر البشر دون أن ينتبهوا حيثما تريد وكيفما تشاء مستغلّة في ذلك تواطؤ العلم والمال لاسترقاق البشرية دون وعيٍ منها بذلك!

تخرج علينا إعلاناتهم في كل مكان، في التلفاز والإذاعة ومواقع الانترنت وفوق البنايات وعلى الطرقات وفي الصحف والمجلات وفي رسائل الموبايلات حتى خشينا أن تخرج لنا من صنابير المياه، وكلها تعتمد أسلوباً قائماً على غرس احساسٍ متدنٍ بالذات لدى المتلقي.

وأنّ الحل الوحيد هو بتلك المنتجات التي تسوّقها، فيالك من بدينٍ تُشبه "تنكر البلدية" وعلاجك هو بالانتساب لذلك النادي الصحي أو شراء تلك الآلة الأسطورية لانقاص الوزن، وأنتِ ذات بشرةٍ سمراء يجب أن تشعري بالخجل منها.

ولا بد أن تستعملي ذلك المستحضر لتفتيح البشرة لتصبحي كجوليا روبرتس، وأنت تظلم نفسك بكونك شخصاً هامشياً وليس عليك إلا أن تسارع لشراء تلك السيارة حتى تشرأب إليك أعناق الحسناوات كما تفعل لكريستيانو رونالدو!

لقد فقدنا احترامنا لذواتنا لكثرة ذلك الجري وراء أولئك "النخّاسين الجدد" وما يسوقوننا إليه، فالغالبية تنفخ وتشفط و"تسمكر" في هيئاتها، وتستدين الكثير من المصارف لتشتري تلك السلع التي تَعِدُها بالسعادة والكينونة والانضمام لنخبة المجتمع، حتى إذا فعلنا ذلك وجدنا أنفسنا في ذات المكان ولكن بصحةٍ معتلّة وبديونٍ تمتص الرواتب بداية كل شهر وبإحساس متراكم من الشعور بالنقص تجاه الآخرين.

فالآلة الإعلامية الجهنمية لتلك الشركات لا تتوقف، فهمّها أن تبقَ أنت في سباقٍ محموم لامتلاك المزيد من منتجاتها، وسلاحها الأكبر أن يظلّ شعور النقص مقارنةً بالآخرين حيّاً ومشتعلاً في داخلك، تماشياً مع ما قاله عالما النفس الشهيران مارتن دوتش وهارولد جيرارد بأنّ البشر تُحرّكهم حاجتان: الحاجة لأن يكونوا على صواب مع اتجاه الآخرين، والحاجة لأن يكونوا محبوبين من أولئك الآخرين!

استرقاق البشر ليس مبالغة وإنما واقعٌ معاش، فلو سألت شخصاً ما عن سبب تعلّقه بهذه الماركة تحديداً رغم وجود بدائل أكثر وربما أقل سعراً بكثير، فحذاء غوتشي يُكلّف ستة آلاف درهم بينما حذاء مشابه من السوق الشعبي لا يزيد عن 300 درهم، لردّ عليك بأن "هذه الماركة تمثلني" وهذه هو مدخل "العبودية الاختيارية" للشركات، فأنت لاشيء بدون ساعتنا أو سيارتنا أو هاتفنا أو حذائنا النخبوي.

ولأن البشر خائفون بطبعهم، سيبقون أوفياء لتلك الماركة وهو الاتجاه الذي يؤكدة أستاذ التسويق وعلم النفس بجامعة أريزونا روبرت سيالديني بأن البشر يخشون أن يناقضوا أنفسهم، فما أن يتبنوا رأياً أو سلوكاً معيناً إلا ويرفضوا أي محاولة لتغيير ما تبنوه!

ورغم قِدَم التجارة ومنطقية تسويقها، إلا أنّ اعتبار البشر مستهلكين في المقام الأول لا مواطنين هو منحى ظهر بعد الحرب العالمية الأولى عندما أصاب القلق أصحاب الشركات المصنّعة من أن يتوقف الناس عن الشراء في حالة الاكتفاء، فخرج بول مازور من كبار مصرف ليمان برذرز ليقول: "لابد أن ننقل أميركا من ثقافة الحاجة إلى ثقافة الرغبة، لا بد أن نُدرّب الناس ليرغبوا بالمزيد حتى لو كان لديهم ما يكفيهم".

وحمل الراية أكبرّ مسوّق في القرن العشرين ايدوارد بيرنيز ابن اخت سيجموند فرويد والذي برع في ربط المنتجات بقيّم متأججة لدى البشر، فروّج السيارة كرمز لفحولة الرجل، ونظّم مسيرة للنساء وهن يدخن السجائر علناً لأول مرة تحت شعار "مشاعل الحريّة" ويقصد الحريّة من التبعية للرجال.

وكانت الـمُكمّلة لهذه التحركات تقرير مُسرّب لكلمة الرئيس الأميركي هيربرت هوفر عام 1928 عندما قال لمجموعة من دهاقنة التسويق:"مهمتكم أن تختلقوا الرغبات وتحوّلوا الناس إلى آلات تبحث عن سعادةٍ متحركة، تلك الآلات هي مفتاح ازدهارنا الاقتصادي"!

إنّ الإنسان مستهدف من تلك الآلة الاعلامية الجبارة وقدرتها على "تزويق" و"تزوير" الأمور، ويكفينا ضحكاً أنّ كل إعلان لأي معجون أسنان لا بُد أن يُتبَع بمقولة: "ينصحُ به أطباء الأسنان"، وربما كان ادعاؤهم صحيحاً لأن ممالأة العلم لسُلطة المال أصبحت أوضح من الشمس في رابعة النهار.

فقد اعتذرت مؤخراً مجلة طبية شهيرة لقُرّائها بعد أن نشرت 19 دراسة متخصصة لأطباء عن أدويةٍ جديدة تبيّن فيما بعد أنّ كل هؤلاء الأطباء على علاقة "مالية" بالشركات المصنّعة لتلك الأدوية، فالجميع يستهدف جيبك وربما لا بأس في ذلك.

ولكن كل البأس في استهدافهم لتقدير الناس لذواتهم وتعزيز الشعور بالنقص لديهم من أجل تمرير ذلك المنتج، فبدلة أرماني لن تجعلني جورج كلوني الذي يسوّقها ويسكن لوس انجيليس بل سأبقى عوض نفسه الذي يسكن منطقة المسعودي بالعين!