مستقبل العراق ونمط العلاقات السياسية في ساحاته، وطبيعة الحكومة وأسلوب ممارساتها، أصبحت تقررها صناديق الاقتراع التي تفتح للناخبين في مناسبتين كل أربع سنوات؛ انتخاب مجالس المحافظات أو ما يعرف بالانتخابات المحلية، وانتخابات المجلس النيابي التي تتمتع بثقل سياسي أكبر.
من الناحية النظرية، فإن قيام مجالس المحافظات ومجلس النواب بمهامهما وفق الدستور، رغم عيوبه، من شأنه أن يضع العراق على السكة السليمة للخروج الآمن من الأزمات، ويجعله يتطلع بثقة أكبر نحو المستقبل. ولكن واقع الحال لا يعكس ذلك، فالوضع في العراق يوشك أن يفلت زمامه من أيدي الجميع، ليتجه البلد نحو المجهول.
لم يعد ما يحدث في العراق يفاجئ المتابع لشأنه السياسي، فسيناريوهات الأحداث يمكن التنبؤ بها دون صعوبة. فما حدث في الحويجة في الثالث والعشرين من إبريل الماضي، كان أمرا متوقعا، إذ لا يمكن إلا أن تحصل المواجهة بين حشود جماهيرية ضخمة، تعتصم في مكان محدود على مدى يربو على المائة يوم، وبين الحكومة التي حشدت قطعات كبيرة من الجيش في مواجهتها.
وهي مصممة على التمسك بموقفها المتصلب في وجه مطالب هؤلاء المعتصمين. المواجهة كانت الأعنف من كل سابقاتها، فقد سفكت دماء كثيرة في ساحة الاعتصام، وتكهربت الأجواء السياسية، وازدادت الأزمة التي يمر بها العراق تعقيدا، وقربته أكثر من ذي قبل من حافة الهاوية.
فقد تعاملت الحكومة مع التظاهرات والاعتصامات في المحافظات الغربية والشمالية، منذ اندلاعها، بتشكك واتهام وصل حد التخوين، معتبرة الحشود المعتصمة واجهات يكمن خلفها تنظيم القاعدة وأنصار النظام السابق. وغني عن القول أن الحكومة التي تتعامل مع عشرات الألوف من أبناء شعبها بهذا الهاجس الأمني، تفتقر إلى الكثير من مقومات القدرة على النجاح في إدارة شؤون البلد.
ولعل أبرز ما تفتقر إليه، هو أنها لا ترقى إلى المستوى الذي ينبغي أن تتحلى به حكومة في أطر نظام ديمقراطي أولى مهامها هي احترام المواطن واحترام حقوقه، لا توجيه هكذا اتهامات إليه دون توفير دليل لتبريرها.
في سياق مقاربة حدث الحويجة الكبير، حفلت وسائل الإعلام بالكثير من التصريحات التي يدين بعضها الإجراءات التي اتخذتها الحكومة، أو يوجه النقد لها على استحياء، أو يدافع عنها بشكل مباشر أو عبر وضع مسوغات لذلك. والحقيقة أن كثرة ما صدر حول ذلك تضيق به المساحة المتاحة لهذه المقالة، لذا سنتطرق إلى ثلاثة محاور وردت كمسوغات لتبرير ما قامت به الحكومة.
أول هذه المحاور، يفترض أن التظاهرات والاعتصامات التي تواجهها الحكومة ذات مغزى طائفي، وأن الطائفية قد جاءت من الخارج، والمقصود بذلك أنها جاءت من سوريا التي تشهد مدنها حربا طائفية بكل معنى الكلمة. هذا الادعاء مردود، فقد تعاطفت مع مطالب المعتصمين شرائح كثيرة من المجتمع العراقي.
ولم يخف ذلك الممثل الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة مارتن كوبلر، حين قال في السابع والعشرين من فبراير المنصرم، في مؤتمر صحافي عقد في مبنى محافظة كركوك، إن "الأمم المتحدة تؤيد مطالب المتظاهرين المشروعة التي تخدم المواطن العراقي وتضمن حقوقه، لكنها تتحفظ على المطالب السياسية وعلى أي نوع من العنف يستهدف المتظاهرين".
الفتنة الطائفية قد اندلعت في العراق منذ عام 2006، قبل حقبة الربيع العربي بأعوام، وهي لم تأت من سوريا التي تكتوي الآن بلهيبها، إلا أن الممارسات التي تقوم بها الحكومة هي التي تسمح للطائفية بأن تطل برأسها وتهدد السلم الأهلي وتدفع بالبلد نحو المجهول، فالتهميش والإقصاء في العراق أمر ليس جديدا، بل يرجع قدمه إلى الأيام الأولى التي أعقبت أول انتخابات نيابية عام 2005.
المحور الثاني هو هيبة الدولة، التي يرى بعض هؤلاء أنه لا ينبغي أن تتاح لأحد فرصة النيل منها أو تحديها، وهو تبرير عجيب، فهل من يطالب ببعض الحقوق يتحدى الدولة وينتقص من هيبتها أم يساعدها على تلافي بعض النواقص والعيوب في أدائها أو أداء بعض أجهزتها، مما يزيد من رفعتها وهيبتها؟
فهيبة الدولة لا تقاس بمدى قدرتها على ممارسة القسوة وزرع الخوف واستخدام القوة المفرطة، لمواجهة حالات احتجاج واعتصام لا تتعارض مع ما كفله الدستور للمواطنين من حقوق، خاصة أن هذه الاعتصامات قد حافظت على سلميتها منذ اندلاعها قبل ما يزيد على مئة يوم.
فالدولة الديمقراطية تفرض هيبتها عبر التزامها بالدستور والممارسات المشروعة التي يتضمنها، وعبر احترامها لحقوق الإنسان، وعبر نظرتها لكل مواطنيها نظرة مبنية على مبدأ الانتماء للوطن، وليس مبدأ الانتماء إلى العرق أو المذهب أو المنطقة أو المدينة.
أما ثالث المحاور فهو الحفاظ على هيبة وكرامة القوات المسلحة، وهو أمر لا نختلف مع الحكومة في أهمية الحرص عليه، طالما حرصت هي على ذلك. فموقع القوات المسلحة في أي بلد، ليس الساحات الداخلية التي يمارس فيها المواطنون حقوقهم المدنية، بل المعسكرات والثكنات ونقاط الحدود، وهذا ما نص عليه الدستور، أما مسؤولية حفظ الأمن الداخلي فتقع على عاتق قوات الشرطة.
فلم الإصرار على زج الجيش في الصراعات التي تخوضها الحكومة مع شعبها وتعريض سمعة الجيش للتساؤل؟ فالجيش التونسي والجيش المصري لم يتدخلا لقمع التظاهرات، وحافظا على هيبتهما وكرامتهما في نظر شعبيهما.
لا يغيب عن نظر المتابع للشأن العراقي، أن الأحداث التي تجري في ساحاته تدار بطريقة تخدم بالدرجة الأولى المصالح السياسية للأحزاب الحاكمة، ولعل أي تحليل للأسباب التي تكمن وراء التردي الأخير للوضع في العراق، لا يستقيم دون أن يربط ذلك بقضايا أخرى على درجة كبيرة من الأهمية، وهي انتخابات مجالس المحافظات التي تزامن موعد إجرائها مع التظاهرات والاعتصامات، ومع قرب الانتخابات النيابية الأكثر أهمية.
الاصطفافات الطائفية والإمعان في إبقاء الشرخ الخطير في النسيج المجتمعي، هي المدخل الوحيد لإبقاء الأوضاع على ما هي عليه، خاصة في ظل العزلة والتفكك الذين تشهدهما حكومة رئيس الوزراء، التي يواصل الوزراء الكرد العزوف عن حضور جلساتها، مع بدء استقالات وزراء ائتلاف العراقية منها، والذين قدم أربعة منهم استقالاتهم حتى الآن.