استدراج الحرب السورية إلى لبنان

برزت أخيراً مؤشرات خطيرة، حول خوض معركة الحسم العسكري في المناطق السورية المجاورة للأراضي اللبنانية، ومشاركة قوى لبنانية مسلحة فيها.

وتعيش مدينة الهرمل وجوارها في البقاع الشمالي، والمناطق الحدودية مع سوريا في شمال لبنان، هاجس الخوف من دخول مناطقهم دائرة حرب استنزاف طويلة الأمد، تهدد حياة آلاف اللبنانيين وأمنهم واستقرارهم على أراضيهم، بالإضافة إلى تدمير ركائز العيش المشترك والدورة الاقتصادية، في المناطق الحدودية بشكل خاص، ولبنان بشكل عام.

ونبه رئيس الجمهورية اللبنانية، العماد ميشال سليمان، إلى أن استهداف مناطق لبنانية بالقذائف الصاروخية، لا يحقق المطالب المتعلقة بالديمقراطية، ولا يجوز تحميل لبنان ما لا طاقة له على تحمله في موضوع استقبال النازحين وإيوائهم، فلبنان ملتزم رسمياً بالعمل على ضبط حدوده تنفيذاً لإعلان بعبدا.

وطلب من الجيش اللبناني والمسؤولين المعنيين، اتخاذ التدابير اللازمة لمنع الاعتداء على اللبنانيين والحفاظ على سلامتهم.

في المقابل، طالب الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، بسحب قوات لبنانية تقاتل داخل الاراضي السورية، وحذر من أن تدخلها سيجر المنطقة إلى صراع مدمر. وطالب الحكومة اللبنانية باتخاذ إجراءات فورية لوقف الاعتداءات، التي تمارسها قوى لبنانية منخرطة بشكل سافر في القتال إلى جانب النظام السوري.

الدولة اللبنانية إذاً، بصفتها صاحبة السيادة على جميع الأراضي اللبنانية، مدعوة للتحرك السريع لوقف تدخل أطراف لبنانية عسكرية في الحرب السورية.

فالنأي بلبنان والدعوات إلى ضبط النفس، لم تعد تجدي نفعاً، ولا بد من الرد المباشر على أي قوة عسكرية، لبنانية كانت أم غير لبنانية، تهدد أراضي لبنان وأمن شعبه، بعد أن أصبح الوضع على الحدود بين لبنان وسوريا شديد الخطورة.

ومن أولى واجبات الجيش اللبناني، أن يتخذ تدابير فورية كفيلة بضمان سلامة المدنيين في تلك المناطق.

لقد دخلت الأزمة السورية عمق الأراضي اللبنانية، في مرحلة يعيش فيها لبنان في ظل حكومة مستقيلة، وأخرى لم تتشكل بعد، وقوى سياسية تتحاور على جنس ملائكة القانون الانتخابي الموحد، الذي يمكن أن يرضي جميع القوى اللبنانية المتناحرة.

وتعمل تلك القوى، بالدرجة الأولى، على تعزيز مصالحها الشخصية والحزبية والطائفية، على حساب المصلحة العليا للبنان واللبنانيين، مما يطرح تساؤلات منهجية كثيرة في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ لبنان المعاصر، التي ألقت بكامل أوزارها الأمنية والاقتصادية والاجتماعية على لبنان واللبنانيين.

وفي الآونة الأخيرة، طالت القذائف الصاروخية السورية، من جانبي النظام والمعارضة، الأراضي اللبنانية في البقاع الشمالي وفي المناطق الحدودية بين سوريا وشمال لبنان.

وأعلنت مجموعات مسلحة من المعارضة السورية، أنها قررت نقل المعركة العسكرية إلى لبنان، واتهمت قوى لبنانية تشارك في القتال داخل سوريا، بأنها تحظى بدعم من قوى لبنانية فاعلة، في المعارضة ومن داخل الحكومة اللبنانية المستقيلة وبعض مؤسساتها العسكرية.

وقرنت التهديد بإطلاق قذائف صاروخية عدة على مدينة الهرمل البقاعية وقرى لبنانية مجاورة لها، مما شكل تطورا خطيرا في مسار الأزمة السورية وانعكاساتها على لبنان.

بدورها، طالبت عشائر منطقة الهرمل الدولة اللبنانية بتحمل مسؤولياتها، ودعت الجيش اللبناني للرد على مصادر النيران، وهددت باستخدام السلاح ضد المعارضة السورية، ومنع نقل المصابين منها للعلاج في لبنان، إذا استمر إطلاق القذائف على قرى لبنانية.

أياً يكن مصدر القصف الصاروخي على لبنان، فهو مدان بشدة من غالبية اللبنانيين الذين نددوا مراراً بالقوى العسكرية التي تنتهك سيادة لبنان، وتودي بحياة اللبنانيين، وتجبر بعضهم على مغادرة بيوتهم وأرزاقهم، وتحولهم إلى لاجئين داخل وطنهم.

واستنكروا، في طرفي الموالاة والمعارضة، إطلاق الصواريخ على المناطق اللبنانية، مهما كانت الأسباب والذرائع.

دلالة ذلك وجود تدخل سافر تمارسه قوى عسكرية لبنانية إلى جانب النظام والمعارضة في سوريا، باتت مشاركتها واضحة وعلنية، ولم تعد تنفع الحجج الواهية لتبريرها، بعد أن دخلت مرحلة الخطر الشديد الذي يهدد حياة نسبة كبيرة من اللبنانيين، ويحمل الدولة اللبنانية أعباء إضافية ليست قادرة على تحملها.

فلمصلحة مَن تدخل قوى لبنانية في حرب سورية طويلة الأمد، بات حلها رهناً بتوافق دول عظمى تعيد رسم خارطة الشرق الأوسط على أسس مغايرة لما قامت عليه اتفاقيات سايكس - بيكو الشهيرة بعد الحرب العالمية الأولى؟

بقي أن نشير إلى أن قوى النظام والمعارضة في سوريا، تخوض معركة مصيرية شرسة وطويلة الأمد، تطال جميع الأراضي السورية وتستخدم فيها كل الأسلحة المتاحة.

وتتخوف الأمم المتحدة والدول الكبرى من لجوء القوى المتنازعة إلى أسلحة محرمة دولياً، بهدف إحكام السيطرة على القوى الأخرى وإجبارها على الاستسلام. وأشارت وسائل الإعلام، الرسمية والخاصة، إلى أن الاشتباكات العنيفة التي تدور الآن في سوريا على الحدود اللبنانية، ذات أبعاد استراتيجية إقليمية ودولية بالغة الأهمية.

وتميزت المعارك الأخيرة بكثرة القتلى والجرحى من جهة، وكثافة استخدام القذائف الصاروخية في معارك ضارية، يتوقف عليها مصير سوريا ومستقبلها كدولة موحدة أرضاً وشعباً ومؤسسات، أو تقسيمها إلى دويلات طائفية ومذهبية وقبلية.

لقد دخلت الأزمة السورية الراهنة مرحلة التهويل بنزاع مذهبي، بعد صدور فتاوى دينية تدعو إلى الجهاد لنصرة مدينة القصير السورية، بذريعة الرد على إرسال مقاتلين يشاركون الجيش السوري في تطويقها لإجبارها على الاستسلام. وهدد المجلس الوطني السوري، بأن ما يجري في القصير هو بمثابة إعلان حرب من جانب حزب عسكري على الشعب السوري.

ويشير تبادل التهم بين قوى لبنانية وسورية مسلحة حول المشاركة في المعارك الدائرة في سوريا، وتهديد منطقة الهرمل في البقاع، إلى توجهات جديدة لأطراف إقليمية ودولية، تؤكد على استمرار الحرب السورية بوتيرة أكثر عنفاً ودماراً.

لذلك دعا الجيش اللبناني القوى اللبنانية المسلحة إلى التزام الحكمة في التعاطي مع الأزمة السورية، وعدم استدراجها إلى لبنان. وتوقعت مصادر دبلوماسية توتر الوضع داخل لبنان قريباً، في حال عجز القادة اللبنانيون عن معالجة مشكلاتهم الداخلية، والإسراع في تشكيل حكومة جامعة لضمان مصلحة لبنان، والتوافق على قانون جديد للانتخابات يحظى بموافقة غالبية القوى السياسية اللبنانية.

فدخول لبنان في الحرب السورية، يقود إلى انفجار نزاعات مذهبية تدمر المجتمع اللبناني من الداخل.

ومن أولى واجبات الدولة اللبنانية منع أي طرف لبناني من المشاركة في قتال يدخل لبنان حتماً في أزمة مستعصية الحل، بعد أن تم تدويلها بمباركة عربية وإقليمية.

 

تعليقات

تعليقات